* بدأت رحلات الحج من مصر منذ دخول الإسلام إليها عام 641 م على يد عمرو بن العاص.
* كانت الرحلات الأولى تتم غالباً عبر الطريق البري عبر سيناء أو الطريق البحري عبر البحر الأحمر.
* تميزت مصر لقرون طويلة بشرف صناعة كسوة الكعبة المشرفة بالحرير الفاخر،وخيوط الذهب والفضة
* ترك الحج أثراً عميقاً في الوجدان المصري،وظهر ذلك في الأغاني الشعبية ورسومات المنازل والأمثال والحكايات
علاء الدين ظاهر
إحتلت مصر عبر التاريخ الإسلامي مكانة مركزية في حركة الحج إلى الأراضي المقدسة، فلم تكن مجرد دولة يخرج منها الحجاج، بل تحولت إلى أحد أهم المراكز الكبرى لتنظيم قوافل الحج في العالم الإسلامي،وبفضل موقعها الجغرافي، وقوتها السياسية، وثقلها الحضاري، أصبحت مصر بوابة رئيسية لعبور الحجاج القادمين من شمال إفريقيا والأندلس وأحياناً من غرب إفريقيا في طريقهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
محمد مندور مستشار وزير الثقافة الأسبق والباحث في التراث قام بدراسة عنوانها"من ضفاف النيل إلى الأرض المقدسة..رحلة الحج في التراث المصري"،وقد إستعرض مقتطفات منها خلال الندوة التي نظّمتها مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث بمقر مركز إبداع قصر الأمير طاز، وسط حضور كبير من الباحثين والمهتمين بالتراث والتاريخ والثقافة الشعبية،وذلك في إطار اهتمام المؤسسة بإحياء عناصر التراث المصري وتوثيق الذاكرة الشعبية المرتبطة برحلات الحج عبر العصور.
وأشار فيها إلي أنه قد تطور طريق الحج المصري عبر قرون طويلة، وارتبط بالسياسة والاقتصاد والعمران والفنون والتراث الشعبي، حتى أصبح جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية.
درب الحج المصري
وحسب الدراسة بدأت رحلات الحج من مصر منذ دخول الإسلام إليها عام 641 م على يد عمرو بن العاص،ومع استقرار الحكم الإسلامي، بدأ المصريون في تنظيم رحلات جماعية إلى الحجاز لأداء فريضة الحج،خاصة بعد إستقرار الطرق التجارية وإنشاء المدن الإسلامية نمو شبكات الأمن والمواصلات،وكانت الرحلات الأولى تتم غالباً عبر الطريق البري عبر سيناء أو الطريق البحري عبر البحر الأحمر.
لكن مع مرور الزمن تطور "درب الحج المصري " ليصبح أحد أشهر طرق الحج في العالم الإسلامي،حيث عرف الطريق الرئيسي للحجاج المصريين باسم"درب الحج المصري"،وكان يبدأ من القاهرة عبر السويس وشبه جزيرة سيناء والعقبة وشمال الحجاز،كما وجد طريق بحري ينطلق من السويس أو القصير إلى موانئ الحجاز عبر البحر الأحمر،وكان الطريق يضم آباراً للمياه وقلاعاً للحماية واستراحات للحجاج،ونقاطاً عسكرية لتأمين القوافل،ومن أشهر القلاع المرتبطة بطريق الحج قلعة نخل وقلعة العقبة
صناعة كسوة الكعبة
تميزت مصر لقرون طويلة بشرف صناعة كسوة الكعبة المشرفة،وحسب الدراسة كانت الكسوة تصنع في دار الكسوة باستخدام الحرير الفاخر،والخيوط الذهبية والفضية وفنون التطريز الإسلامية.
وكانت الكسوة تنقل ضمن موكب المحمل في احتفال رسمي مهيب،وقد ساهمت هذه الصناعة في ازدهار الحرف التقليدية وتطور فنون النسيج والزخرفة وتعزيز المكانة الدينية لمصر،وواستمر هذا التقليد حتى منتصف القرن العشرين.
تنظيم قوافل الحج
وطبقا للدراسة،فقد إتسمت قوافل الحج المصرية بدرجة عالية من التنظيم،خاصة في العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية،وكان يعين للقافلة "أمير" الحج " وهو المسئول عن تنظيم الرحلة وحماية الحجاج وإدارة التموين،وحل النزاعات والتنسيق مع القبائل والسلطات،كما ضمت القوافل العلماء والفقهاء والأطباء والجنود والتجار،وكانت الرحلة تستغرق أحياناً عدة أشهر ذهاباً وعودة.
الحج والطرق الصوفية
لعبت الطرق الصوفية دوراً مهماً في ترسيخ ثقافة الحج في المجتمع المصري،حيث إرتبط الحج لدى المتصوفة بفكرة الرحلة الروحية وتطهير النفس والسلوك إلى الله،كما كانت الطرق الصوفية تشارك في مواكب المحمل والإنشاد الديني، واحتفالات توديع الحجاج واستقبالهم بعد العودة،كما ارتبطت العديد من الأناشيد والمدائح الشعبية بالحج،ومنها التلبية والمدائح النبوية والأغاني الشعبية الخاصة بالحجاج.
موسم إقتصادي وثقافي
لم يكن الحج مجرد رحلة دينية، بل كان أيضاً موسماً اقتصادياً ومجالاً للتبادل الثقافي والحضاري،فقد حمل الحجاج معهم البضائع والكتب والمخطوطات والأفكار والعادات والتقاليد،كما ساهم الحج في انتقال العلوم الدينية والفنون الإسلامية أنماط العمارة والموسيقى والإنشاد،كما نشطت التجارة في المدن الواقعة على طريق الحج،وظهرت أسواق وخانات لخدمة الحجاج.
أخطار طريق الحج
رغم التنظيم الكبير، واجه الحجاج صعوبات كثيرة، منها قسوة الصحراء والعطش ونقص المياه،كذلك الأمراض والأوبئة وقُطاع الطرق والعواصف الرملية،ولهذا كان الحج يعد رحلة شاقة تتطلب الاستعداد النفسي والقدرة المالية والصبر والتحمل،وكان بعض الحجاج يكتبون وصاياهم قبل السفر، خوفاً من عدم العودة.
تاريخ موكب المحمل
يعد المحمل المصري من أهم الرموز التاريخية للحج الإسلامي في مصر،والمحمل هو هودج مزخرف يحمل على جمل،ويخرج في موكب رسمي ضخم يرافق قافلة الحج المصرية،ويحمل أحياناً كسوة الكعبة والهدايا والأموال المخصصة للحرمين،وقد بدأ تقليد المحمل بصورة رسمية منذ العصر المملوكي،ثم استمر في العصر العثماني،حيث كانت القاهرة تشهد احتفالات شعبية كبرى عند خروج المحمل وعودته،يشارك فيها والحكام والعلماء والطرق الصوفية وعامة الناس،وكان المصريون يعتبرون المحمل رمزاً للبركة والهيبة الدينية،ومكانة مصر في العالم الإسلامي.
والمحمل المصري هو هودج فاخر يثبت فوق جمل،ويغطى بالأقمشة المطرزة والزخارف الإسلامية،ويخرج ضمن قافلة الحج الرسمية من مصر إلى الحجاز،وكان المحمل يرمز إلى رعاية الدولة للحج وشرف خدمة الحرمين الشريفين والدور الديني والسياسي لمصر،وفي كثير من الفترات كان المحمل يحمل كسوة الكعبة المشرفة،ومعها الهدايا السلطانية والأموال المخصصة للحرمين،وقد ارتبط المحمل بشكل خاص بالعصر المملوكي ثم العثماني،واستمر حتى منتصف القرن العشرين.
نشأة المحمل المصري
يرجع ظهور المحمل بصورته الرسمية إلى العصر المملوكي، خاصة منذ عهد شجر الدر التي ارتبط اسمها بإرسال أول محمل مصري منظم إلى الحجاز في القرن الثالث عشر الميلادي،ثم تطورت مراسم المحمل في عهد السلاطين المماليك،الذين حرصوا على إظهار القوة السياسية والدينية وتأكيد رعاية مصر للحرمين،وتعزيز مكانة القاهرة في العالم الإسلامي،وفي العصر العثماني استمرت مصر في إرسال المحمل سنوياً رغم تبعيتها السياسية للدولة العثمانية،وظل للمحمل المصري مكانة خاصة بين محامل العالم الإسلامي
وإحتل الجمل مكانة رمزية مهمة في ثقافة الحج المصرية، باعتباره وسيلة السفر الأساسية عبر الصحراء،فهو رمز الصبر والتحمل وجزء من صورة الرحلة المقدسة،ولهذا ظهر الجمل في الأغاني الشعبية والرسومات الجدارية زالحكايات التراثية،وكان الجمل الذي يحمل المحمل يعامل باحترام كبير، وينظر إليه باعتباره جزءاً من القداسة الرمزية للرحلة.
المحمل والاحتفالات الشعبية
ظهر المحمل في المخطوطات الإسلامية،واللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية القديمة والكتابات التاريخية،كما وثق الفنانون والرحالة الأجانب مواكب المحمل في القاهرة، واعتبروها من أعظم المشاهد الاحتفالية في الشرق الإسلامي،وقد ساهمت هذه الصور في حفظ ذاكرة الاحتفال الشعبي بالحج حتى اليوم.
وقد شكل الحج في مصر عبر العصور الإسلامية ظاهرة دينية واجتماعية وثقافية متكاملة تجاوزت حدود أداء الفريضة إلى تكوين منظومة واسعة من الطقوس والاحتفالات الشعبية التي ارتبطت بخروج الحجاج وعودتهم،وكان "المحمل المصري" في قلب هذه المنظومة، باعتباره رمزاً دينياً وسياسياً وثقافياً يعبر عن مكانة مصر في العالم الإسلامي،وامتزجت في احتفالات الحج عناصر التدين الشعبي والفنون الموسيقية،والطرق الصوفية والزينة الشعبية والموروث الاجتماعي،حتى أصبحت مواسم الحج جزءاً من الذاكرة الجمعية للمصريين.
الحج والذاكرة الشعبية
ترك الحج أثراً عميقاً في الوجدان الشعبي المصري، وظهر ذلك في الأغاني الشعبية ورسومات المنازل،والاحتفالات العائلية والأمثال والحكايات الشعبية،وكان الحاج يحظى بمكانة اجتماعية مميزة بعد عودته، ويطلق عليه لقب "الحاج ".
كما انتشرت عادة رسم والكعبة والجمال والسفن والطائرات على جدران منازل العائدين من الحج،خاصة في الريف والصعيد.
الفلكلور الغنائي للحج
يعد التراث الغنائي المرتبط بالحج أحد أهم مكونات الذاكرة الشعبية المصرية، حيث عبرت الأغاني والابتهالات والإنشاد الديني عن المشاعر الإنسانية والروحية المصاحالرحلة الحج عبر العصور،فالحج بالنسبة للمصريين لم يكن مجرد انتقال جغرافي إلى الأماكن المقدسة، بل تجربة وجدانية عميقة امتزج فيها الشوق والإيمان والفرح والخوف والحنين والاحتفال الجماعي
وقد انعكست هذه المشاعر في تراث غني من الأغاني الشعبية والمدائح النبوية والابتهالات،والأناشيد الصوفية والمواويل والزغاريد،ليصبح الغناء جزءاً أساسياً من طقوس الحج في المجتمع المصري،حيث ترتبط الموسيقى والإنشاد الديني في مصر بجذور تاريخية عميقة تعود إلى الحضارات القديمة،حيث استخدمت الأناشيد في المواكب الدينية والاحتفالات الجماعية والطقوس الروحية
ومع دخول الإسلام إلى مصر تطورت أشكال جديدة من الغناء الديني المرتبط بالحج،مستمدة من التلبية والمدائح النبوية والذكر الصوفي والقصائد الدينية،ثم امتزجت هذه العناصر بالموروث الشعبي المصري، لتظهر أشكال فنية خاصة بالحج تحمل الطابع المحلي المصري.










ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق