06‏/08‏/2026

د.سامح البنا:مصر من أغنى الدول فى التراث الإنساني والتنقيب العشوائى يدمر آثارنا .. حوار

نقلاً عن جريدة الأهرام.. 7 أغسطس 2026..العدد 51013

حوار - صبرى الموجى

* ترميم الآثار ضرورة وطريقة التنفيذ هي الإشكالية الحقيقية

* المتحف المصري الكبير مؤسسة علمية ومشروع فكرى وثقافى


آثار مصر.. هى قصة ملحمة، تكشف أحداثها عن حجر يتألم، وجهود تُبذل، وربما مواطن يجهل أهمية تراثه الحضارى، فيشوهه غير عابئ. لكشف معالم هذه الملحمة، كان هذا الحوار مع الأكاديمى الأثرى د. سامح البنا - أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة أسيوط، الذى يؤكد ثراء مصر تاريخيًا وحضاريًا، ويُطالب بضرورة الحفاظ على الهوية والأصالة عند استثمار الأثر، ويرى أن ترميم الآثار ضرورة بقاء، وأن المشكلة تكمن فى المنهج المتّبع وطريقة التنفيذ، ويلفت إلى أهمية الإعلام فى الترويج لآثار مصر محليًا وعالميًا، ويؤكد أن تغليظ عقوبة التنقيب عن الآثار من قبل الحالمين بالثراء هو الحل الأمثل لمواجهة هذا الخطر.. وإلى نص الحوار:


تتنوع الآثار المصرية وتتعدد مناطق وجودها فى ربوع مصر.. برأيك كيف يمكن استثمارها اقتصادياً؟


مصر واحدة من أغنى دول العالم تاريخيًا وحضاريًا، وتضم آلاف القطع والمناطق الأثرية التى تنتشر فى ربوعها، وترجع إلى عصور مختلفة، فبعضها يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ، وبعضها يرجع إلى العصور المصرية القديمة، وبعضها يرجع إلى العصور اليونانية-الرومانية، وبعضها يرجع إلى العصور الإسلامية، ولذلك فمصر تمتلك عددًا لا بأس به من مواقع التراث العالمى المعتمدة من منظمة اليونسكو، يبلغ عددها سبعة مواقع رئيسية، يسهل استثمارها اقتصاديًا فى مجالات متعددة، ولكن الصعوبة تكمن فى الحفاظ على الهوية ومراعاة طبيعة الموقع الأثرى، فهما الأساس الذى ينبغى مراعاته عند توظيف أو استثمار الأثر اقتصاديًا، أو بمعنى آخر ليست مجالات الاستثمار جميعها تلائم كل أثر، فما يمكن عمله فى أثر لاستثماره لا يلائم أثرًا آخر، فمثلًا يمكن إقامة فاعلية ثقافية أو احتفال فى قصر أثرى بضوابط معينة، وهذا الاحتفال نفسه لا يمكن إقامته فى موقع مسجد أثرى أو منطقة الأهرامات، التى يمكن عمل عرض للصوت والضوء يحكى تاريخ المكان ويحافظ على طبيعته وأصالته.


فالأساس الذى ينبغى مراعاته عند استثمار الآثار اقتصاديًا، هو الحفاظ على الهوية والأصالة، ووضع ضوابط ومعايير تلائم كل موقع أثرى، وتتمثل أهم مجالات استثمار الآثار فى تطوير الخدمات بالمواقع الأثرية من متاجر هدايا تذكارية، وعمل شاشات عرض للزوار، ومتاحف مفتوحة، ، واستضافة الفاعليات الثقافية والعروض الفنية فى محيط المواقع الأثرية بما يلائم طبيعة الأثر، وبما يتوافق مع المعايير كى لا يطغى الجانب المادى على الجانب الثقافى والهوية والأصالة.


ترميم الآثار مشروع تباين حوله التأييد والرفض المجتمعى. . فيراه البعض تعديًا على التراث وتشويهًا للأثر، ويراه آخرون ضرورة بقاء وصمود للتاريخ والحضارة.. موقفك من الاتجاهين؟


ترميم الآثار والحفاظ عليها، ليس محل خلاف أبدًا، وإنما طريقة تنفيذ هذا الترميم واختيار مدرسة الترميم أو المنهج المتبع فى الترميم هو الإشكالية، التى جعلت بعض الأشخاص يرون فى الترميم تشويهًا للأثر وتعديًا عليه. وحل هذه القضية من وجهة نظرى بسيط جدًا، وهو الرجوع دائمًا فى عمليات ترميم الآثار إلى الدراسات العلمية والخبراء المتخصصين والمواثيق الدولية للترميم، مثل ميثاق البندقية لعام 1964م وهو من أهم المواثيق التى تناولت ونظّمت ضوابط الحفاظ والترميم للآثار والمواقع الأثرية، حيث شدّد على أهمية النسيج الأصلى للمبنى الأثرى، وعلى التوثيق الدقيق لأى تدخل، وعلى أهمية الإضافات على المبنى الأثرى فى كل عصر، والحفاظ على هوية البناء، والحفاظ على المبانى التاريخية بهدف إفادة المجتمع.


البحث عن الآثار ظاهرة تعاظمت مؤخرًا.. أيّدها البعض ورفضها آخرون رفعوا شعار: (باطن الأرض خير من ظاهرها) إن لم تتوافر ضوابط التنقيب والصيانة للأثر.. فما هى ضوابط التنقيب السليمة من وجهة نظرك؟


تنقيب الآثار ينبغى ألا يتم إلا من خلال وزارة الآثار والسياحة؛ لأنها بما تمتلكه من متخصصين وأكاديميين لديها فرق عمل متخصصة فى عمل حفائر علمية بغرض التنقيب، كذلك هناك مذكرات تفاهم بينها وبين بعض البعثات العلمية والعملية الأجنبية المتخصصة فى عمل حفائر علمية متخصصة بعد دراسة مستفيضة للموقع، وهذه البعثات المصرية والأجنبية، تعلم جيدًا ضوابط ومعايير التنقيب، فضلاً عن علمها بالأسس العلمية لعمل هذه الحفائر، فلن توجد مشكلة إذا قامت وزارة الآثار من خلال فرق عملها وبعثاتها بالتنقيب، وإنما المشكلة تكمن فى بعض الأشخاص أو الحالات الفردية التى تسعى للكسب السريع أو الهوس بالآثار، ومن هنا فلابد من تشريعات وقوانين وإجراء بعض التعديلات على قانون الحفاظ على الآثار والتراث من خلال لجنة الآثار بمجلس النواب، ومشاورة المتخصصين والخبراء وكذلك المجتمع، وتدور هذه التعديلات حول زيادة الوعى الثقافى للمواطنين بتراثهم، ويتأتى ذلك ببعض المحفزات، التى تُشجع المواطن على تسليم أى أثر أو تحفة أو إرشاده إلى موقع أثرى، وذلك بالتشجيع المعنوى من تكريم وظهور فى القنوات الإعلامية، وكذلك بحافز مادى مناسب، يغريه بتسليم الأثر للجهات المسئولة.


هناك أخطاء كارثية نجمت عن بعض عمليات الترميم مثلما حدث فى مقابر الإمام الشافعى و«شخشيخة» مسجد المرسى أبو العباس بالإسكندرية وغير ذلك.. كمتخصص كيف نواجه مثل هذه المشكلات؟


الأخطاء الكارثية تحدث فى الترميم عامة نتيجة عوامل منها: عدم اتباع أسلوب أو منهج علمى للترميم المعمارى أو للترميم الدقيق، وعدم اتباع القواعد المنصوص عليها فى المواثيق الدولية مثل ميثاق فينيسيا الذى ذكرناه آنفًا، وكذلك القوانين المصرية والقواعد والضوابط المتعارف عليها، وعدم اختيار المتخصصين والخبراء المناسبين لمشروع ترميم بعينه، أو السرعة فى تنفيذ مشروع الترميم دون دراسة علمية مستفيضة.


وتقوم وزارة الآثار والسياحة المصرية بمراعاة هذه الأمور والإشراف على الشركات والأفراد القائمين بالترميم؛ لذلك فمعظم مشاريع الترميم تتم بسلام، أما بعض الحالات الفردية التى حدث فيها أخطاء فى الترميم، فهى حالات استثنائية، ويمكن مواجهتها بالتأنى فى مشروع الترميم، وعدم البدء به إلا بواسطة متخصصين، وبعد دراسة علمية مستفيضة.


ما تفسيرك لظاهرة عدم إدراج العديد من الأضرحة والمبانى التراثية لقائمة الآثار الإسلامية؟


يرجع عدم إدراج العديد من الأضرحة والمبانى التراثية للآثار الإسلامية إلى أن وزارة الآثار والسياحة لديها إدارة لتسجيل الآثار بكافة قطاعاتها، سواء قطاع الآثار المصرية القديمة أو قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية. وهذه الإدارة المعنية بالتسجيل لديها إجراءات وضوابط لكى تقوم بتسجيل أى أثر. هذه الضوابط والإجراءات لا بد أن تكون مستوفاة حتى يتم التسجيل، وأحيانًا لا يكتمل إجراء ما بسبب بعض التعديات على الأثر أو غيرها من الأمور التى تؤخّر إدارة التسجيل عن تسجيل الأثر، وعلى حد علمى أن وزارة الآثار والسياحة الآن أسرعت من هذا الإيقاع فى التسجيل خاصة بعد مبادرة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى لرقمنة كافة وزارات وقطاعات الدولة؛ مما يسهل عمليات التسجيل.


تلال القمامة التى غزت المناطق الأثرية مثل مقابر العصر المملوكى والدولة العثمانية وقصور محمد على بمدن القناة ظاهرة اتسع معها الخرق على الواقع.. كيف السبيل لمواجهتها؟


الواقع أن مسألة القمامة هى قضية عامة، وليست خاصة بالآثار أو المواقع الأثرية فقط، فهناك بعض المناطق الأخرى وليست مواقع أثرية بها قمامة، وحل مشكلة القمامة من وجهة نظرى، يكون عن طريق نشر الوعى بأهمية النظافة، وذلك من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى، وعمل قوافل من المتطوعين، وذلك كله سيؤدى إلى المشاركة الاجتماعية، واهتمام جميع المسئولين بالموضوع، ويكون أيضًا بالاهتمام بإعادة التدوير، وقد أخذت الدولة خطوات واسعة فى هذا الاتجاه، وشجعت صغار المستثمرين على إنشاء مصانع صغيرة لمثل هذه الأمور، أما الحل الثالث فيتمثل فى المشاركة الاجتماعية وزيادة الحوافز المقدمة من قبل الأحياء، فعقد مسابقات ومبادرات ومبالغ مالية لأجمل حى والتشجيع على زراعة الأشجار، وغير ذلك من الأمور، التى ستجعل من المواقع الأثرية وغير الأثرية بيئات نظيفة جدًا.


المتحف المصرى الكبير.. هدية مصر للعالم.. برأيك كيف يمكن استثمار هذا المشروع اقتصاديًا وفكريًا؟


المتحف المصرى الكبير هو فعلاً هدية مصر إلى العالم، فهو ليس متحفًا بالمعنى النمطى لكلمة متحف فى العصور الماضية، بل هو مؤسسة علمية ثقافية اقتصادية فى آن واحد، حيث يُعد المتحف أكبر متحف فى العالم مخصص لحضارة واحدة، ويقع بالقرب من أشهر المواقع الأثرية، وهى منطقة الأهرامات بالجيزة، ويضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، كما يضم البهو العظيم ومنطقة المسلة المعلقة وتمثال رمسيس الثانى، كما يعرض بقاعاته كنوز الملك توت عنخ آمون كاملة لأول مرة، ويحتوى على مركز ترميم وصيانة الآثار ومكتبة علمية متطورة، وبالإضافة إلى ذلك يضم مرافق تجارية وحدائق، تمكن الزوار من شراء الهدايا، بجانب حضور الفاعليات الثقافية، التى يُعلنها المتحف بصفة دورية. لذلك وغيره فهو بالفعل هدية مصر للعالم، التى يشعر معها كل مصرى بالفخر والانتماء.


لاشك أن لكم جهودًا فى الحفاظ على الآثار المصرية.. حدثنا عن بعضها وأكثرها إثارة من وجهة نظرك؟


بالنسبة لإسهاماتى المتواضعة فى الحفاظ على الآثار والتراث المصرى، فتكمن فى مشاركتى قبل عملى الأكاديمى فى العديد من مشاريع الترميم والحفاظ وإعداد الدراسات التاريخية والأثرية، وكذلك إعداد التوثيق الفوتوغرافى للعديد من المشاريع من أهمها مشروع ترميم مجموعة السلطان قلاوون بشارع المعز، ومشروع ترميم مدرسة السلطان حسن وجامع الرفاعى بالقلعة، ومشروع ترميم مسجد عيسى الكردى بالسيدة زينب، بجانب المشاركة فى إعداد الدراسات الأثرية، وكذلك المشاركة فى دراسة خط السير الخاص بنقل تمثال رمسيس الثانى من ميدان رمسيس إلى الموقع القريب من المتحف المصرى الكبير.


والمشاركة فى إعداد تقرير مشروع الحفاظ والترميم لمعبد هيبس بالواحات الخارجة بالوادى الجديد، وكذلك إعداد التوثيق الفوتوجرافى والفيديوى للمعبد قبل وأثناء وبعد ترميمه، إضافة إلى إسهاماتى كعضو بلجنة الحفاظ على التراث المعمارى والتنسيق الحضارى بمحافظة أسيوط، والتى كان لها دور بارز فى الحفاظ على القصور الأثرية بشتى أرجاء المحافظة. كل هذا يضاف إلى دورى فى الحفاظ على التراث المخطوط بمشاركتى فى العديد من الندوات والمحاضرات عن فنون المخطوط وجماليات المخطوط بهدف الحفاظ عليه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق