13‏/05‏/2026

من حجر رشيد للبعثات..د.إسلام عزت:الديبلوماسية الثقافية سر نجاح العلاقات التاريخية بين مصر وفرنسا في الآثار والتراث

علاء الدين ظاهر 

تمثل العلاقات بين مصر وفرنسا أحد أقدم وأعمق نماذج التعاون الثقافي والعلمي في العالم الحديث، حيث تجاوزت المجال الديبلوماسي التقليدي إلى إنشاء شراكة راسخة في حقلي الآثار والتراث،وهو ما عاد الحديث عنه بقوة بعد الزيارة الناجحة التي قام بها مؤخراً ايمانويل ماكرون رئيس فرنسا.


وعن العلاقات الفرنسية المصرية من حجر رشيد إلى المتاحف والبعثات الأثرية،حاورت #آثار_مصر د.إسلام عزت مدرس مساعد بكلية الاثار جامعة عين شمس والجامعة الفرنسية في مصر،وباحث دكتوراة بجامعة سيرجي باريس ومركز بحوث الاثار التاريخية بفرنسا،ورئيس فريق عمل المركز الجامعي للفرانكفونية بجامعة عين شمس.


# حجر رشيد 


قال د.إسلام عزت:تعود جذور هذه الشراكة إلى نهاية القرن الثامن عشر، وتحديداً إلى الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، التي رافقها عدد كبير من العلماء والفنانين، وكان من أهم نتائج تلك الحملة اكتشاف حجر رشيد عام 1799، وهو لوح من البازلت الأسود يحمل نفس النص بثلاثة خطوط: الهيروغليفي، والديموطيقي، واليوناني القديم.



وإستطاع العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عام 1822 فك رموز الكتابة الهيروغليفية بالاعتماد على هذا الحجر، وذلك في رسالته الشهيرة إلى السيد داسييه (Champollion, Lettre à M. Dacier relative à l'alphabet des hiéroglyphes phonétiques, 1822)، وهو إنجاز وصفه الباحث باركنسون (Parkinson, 1999) في كتابه "حجر رشيد" بأنه "مفتاح الحضارة المصرية القديمة" وإيذاناً بولادة علم المصريات الحديث كتخصص أكاديمي منظم. ورغم أن حجر رشيد موجود حالياً في المتحف البريطاني، فإن الإسهام الفرنسي في فهم النقوش المصرية وتأسيس البنية التحتية لعلم الآثار في مصر ظل حاسماً ومستمراً حتى يومنا هذا.


# أوجست مارييت


وقال:لم تقف العلاقة عند حدود فك النقوش، بل سرعان ما تحولت إلى عمل مؤسسي ملموس على الأرض المصرية على يد عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت، الذي يُعتبره لوكا (Luca, 2010) في دراسته عن رواد علم المصريات "الأب المؤسس للمتحف المصري الحديث". بعد أن عُين مارييت أول مدير لهيئة الآثار المصرية عام 1858، أقام متحف بولاق عام 1863 ليكون النواة الأولى للمتحف المصري لاحقاً، ثم انتقلت مجموعاته إلى المتحف المصري الحالي في ميدان التحرير عام 1902م.


ولم يقتصر دور مارييت على جمع الآثار وعرضها، بل وضع أول قانون عصري لمنع تهريب الآثار المصرية، وأدار بعثات تنقيب منهجية في سقارة والجيزة وأبيدوس، مما أسس لعلاقة ثنائية قائمة على حماية التراث وإدارته علمياً وليس على نقله أو جمعه بصفته كنوزاً فردية.



وعلى صعيد البحث الأثري الميداني وأعمال الترميم، شكّل المعهد الفرنسي للآثار الشرقية (IFAO) – الذي تأسس عام 1880 ويتخذ من القاهرة مقراً له – الهيئة الأكثر استمراراً وتنظيماً في العمل الأثري الفرنسي داخل مصر. فوفقاً لما يوثقه المؤرخ تيري (Thierry, 2015) في تاريخ الاستشراق الفرنسي، لم يقتصر دور المعهد على أعمال التنقيب فحسب، بل امتد إلى تدريب أجيال من علماء الآثار المصريين، وإصدار مئات المجلدات العلمية المرجعية عن المعابد والمقابر والبرديات المصرية.


# الكرنك وتانيس 


وعن البعثات الفرنسية المصرية المشتركة التي تعكس عمق هذا التعاون،قال أنه من أبرزها بعثة وادي الجرف، وبعثة المقاصير الأوزيرية في الكرنك، وبعثة تانيس بالشرقية، وبعثة معبد الرامسيوم، وبعثة السيرابيوم بسقارة، وبعثة الميدامود، وبعثة العساسيف ويعثة مقبرة TT33 وبعثة باويط، وكذلك بعثة قلعة الشيخ همام، وجميعها تمثل نماذج ناجحة للشراكة العلمية الميدانية.


أما على صعيد الترميم الدقيق، فيُعد مشروع ترميم اللوحات الخشبية لمصطبة حسي رع المحفوظة في المتحف المصري بالتحرير، من أبرز الإنجازات المشتركة بين الجانبين. تعود هذه اللوحات إلى عصر الأسرة الثالثة (حوالي 2686-2613 ق.م)، وتُعتبر من أروع نماذج النحت الغائر على الخشب في مصر القديمة، لما تتميز به من دقة متناهية في تصوير التفاصيل التشريحية والأدوات اليومية للكاهن الأعظم "حسي رع".


#تعاون علمي 


وقد تعاونت بعثة فرنسية متخصصة من المعهد الفرنسي للآثار الشرقية مع خبراء المتحف المصري في مشروع امتد بين عامي 2021 و 2024، هدف إلى معالجة وتقوية اللوحات الخشبية، ومعالجة التغيرات الناتجة عن التلف الميكروبيولوجي، وإعادة تركيب اللوحات وفق سياق اكتشافها في الجزء الغربي من مصطبة حسي رع. 


كذلك يلعب المعهد الفرنسي في مصر IFE ومكتب البعثات الدراسية دورا محوريا في تفعيل برامج تبادل الباحثين وتوفير منح للماجستير والدكتوراه ودراسات ما بعد الدكتوراه في حقول عدة في مجال الاثار، ولعل المنح الدراسية المقدمة من كل من الوكالة الجامعية الفرانكفونية AUF والسفارة الفرنسية بالقاهرة وكذلك صندوق دعم الباحثين في علوم الاثار FFAR برامج منح الدكتوراه المخصصة للاكاديميين من أعضاء هيئة تدريس الجامعات اكبر دليل على ذلك، والتي لعب المكتب الثقافي في السفارة المصرية في باريس دورا رائدا في إنجازها.


# سياحة ومعارض 


وأوضح د.إسلام عزت أنه كان لهذا التعاون الأثري العميق أثر مباشر وملموس على قطاع السياحة في مصر، حيث حوّل الاهتمام الفرنسي المتخصص بالآثار المصرية إلى تدفق سياحي مستدام ومتزايد،حيث تشير إحصاءات جريدة Economie Touristique للأعوام 2022 و2023 إلى أن السياح القادمين من فرنسا يحتلون باستمرار المرتبة الثالثة بين الجنسيات الأوروبية القادمة إلى مصر، بمتوسط إقامة يصل إلى عشرة ليالٍ ومعدل إنفاق يومي مرتفع مقارنة بجنسيات أخرى.


ويعزو الباحثون في اقتصاديات السياحة الثقافية هذا الأداء إلى تراكم عوامل تاريخية ومعاصرة، أولها الوجود الفرنسي الطويل في مصر مما جعل الآثار المصرية حاضرة بقوة في المناهج التعليمية والمتاحف الفرنسية، ولعل أبرز مثال على ذلك "الحياة اليومية في مصر القديمة" ومعرض "مملوك" اللذان نظمهما متحف اللوفر عام 2022 و2025 وحضره أكثر من نصف مليون زائر.


وثانيها، التغطية الإعلامية الفرنسية المستمرة للاكتشافات الأثرية ومشاريع الترميم المشتركة، مثل فيلم Ramsès II, Toutânkhamon, l'Égypte des pharaons - Secrets d'Histoire

الذي أنتجته قناة ARTE الفرنسية عام 2025، والذي أظهر للجمهور الأوروبي تفاصيل دقيقة عن اسرار ملوك مصر العظام الذين وضعوا لبنات الدولة المصرية ونظامها الاداري. ثالثها، تأثير الأفلام الوثائقية الفرنسية الكلاسيكية مثل فيلم "شامبليون: لغز الهيروغليفية" الذي عرضته قناة France 5 عام 2021، والذي أعاد إحياء الاهتمام الشعبي بالحضارة المصرية كمغامرة فكرية وجمالية تستحق المشاهدة المباشرة على أرضها.


# الديبلوماسية الثقافية


وأشار إلي أنه لكل هذه الأسباب، لم تُترك العلاقة بين مصر وفرنسا في مجال التراث للصدفة أو لتفاهمات ظرفية عابرة، بل تم تنظيمها عبر قنوات الديبلوماسية الثقافية التي جعلت من الآثار أداة استراتيجية للتأثير المتبادل وتعزيز الروابط الودية،ومنذ توقيع الاتفاقية الثقافية المصرية الفرنسية عام 1958، ثم تجديدها عام 1977، نصَّت البنود على تبادل الخبراء الأثريين، وإنشاء بعثات تنقيب مشتركة، وتنظيم معارض أثرية متنقلة بين البلدين.


ويشير الباحث جاليه (Gallet, 2014) في دراسته عن السياسة الثقافية الفرنسية في الخارج إلى أن مصر كانت الدولة الوحيدة غير الأوروبية التي افتتحت فيها السفارة الفرنسية فرعين إقليميين (في الأقصر ممثلا في مركز دراسات الكرنك والإسكندرية ممثلا في مركز الدراسات السكندرية)، مما يعكس الأولوية الاستراتيجية التي توليها باريس للتعاون الأثري مع القاهرة.


كما تُعد زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر اعوام 2019 و 2025 و مؤخرا في مايو 2026، والتي رافقتها مباحثات موسعة حول حماية الآثار ونقل الخبرات في مجال التبادل الثقافي والمعرفي وكذلك الخبرات السياحية، نموذجاً حياً على كيف يمكن للدبلوماسية الثقافية أن تترجم إلى تعاون رفيع المستوى ينعكس إيجاباً على صورة البلدين وشعبيهما.


وأضاف:وهكذا تظل العلاقات الفرنسية المصرية في مجال الآثار والتراث نموذجاً حياً على كيف يمكن للثقافة أن تكون جسراً للتعاون الدولي، وكيف يمكن لعلم واحد هو علم المصريات أن يؤسس لصناعة اقتصادية كاملة هي السياحة، ولأداة دبلوماسية ناعمة وفاعلة هي الدبلوماسية الثقافية. وكلما تقدمت الأبحاث واكتشفت آثار جديدة أو ترممت أخرى، تتعمق هذه الشراكة، وتتأكد حقيقة أن الحضارة المصرية القديمة كانت وستظل أرضاً خصبة للقاء بين الشعبين الصديقين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق