علاء الدين ظاهر
سجال شديد بين متخصصين في الأثار وغيرهم شهدته لأيام الماضية،وذلك علي خلفية 5 قطع تم ضبطتها في الكويت كانت قد خرجت من مطار القاهرة،وذلك بعد ما فحصها مفتشو أثار منفذ المطار وأكدوا نها نماذج مقلدة وغير حقيقية،إلا أن القصة شهدت تطورا كبيرا قبل حوالي شهرين حينما تم إحتجاز مفتشا الأثار من منفذ مطار الأقصر،وذلك بعد معاينة لجنة من وزارة الأثار في مصر وقالت اللجنة بعد معاينة صور القطع أنها حقيقية،مما جعل مفتشي أثار المطار موضع إتهام وألقي القبض عليهما.
وفيما يعد شبه إجماع من العاملين في الأثار وأساتذتها بالجامعات،أكدوا جميعا أن القطع واضح تماما أنها مقلدة وليست أصلية،مما خلق تعاطفا مع الأثريين المحتجزين وإنتشرت علي صفحات التواصل الإجتماعي ما يشبه هوجة تبناها البعض عن اللجوء لاستخدام الأجهزة في كشف تزييف وتزوير الآثار،وهو ما دفع أ.د.مدين حامد عبد الهادي الخبير والمدرب المعتمد في دراسات الأحبار وتزييف وتزوير وترميم الآثار والمخطوطات ومدرس ترميم الآثار بجامعة الفيوم إلي أن يضع حدا فاصلا لهذا الجدل الدائر عن إستخدام الأجهزة،وقال:هذا غير ممكن مع آثاري ضعيف غير خبير سواء مفتش او مرمم.
# أجهزة الفحص والتحليل
وتابع مدين:بعد واقعة مطار الأقصر وكشف زيف النماذج السيئة المهربة لدولة الكويت الشقيق وفقا لتقرير وحدة المنافذ الأثرية بالمطار عام ٢٠١٨م وحبس مفتشي الآثار رغم صحة تقريرهم، بعد تشكيل لجنة من وزارة الآثار من إدارة الآثار المستردة ورئيس القطاع ، والتي أقرت بصحتها من خلال صور للنماذج،رغم زيفها الواضح وفق آراء العديد من أساتذة الآثار بالجامعات المصرية وبعض من مديري ومفتشي آثار الوزارة،واستقرار الرأي علي استقدام تلك النماذج لإعادة فحصها ومعاينتها من خلال معمل المتحف المصري وفق قرار النيابة العامة حتي تتيقن من براءة المحبوسين علي ذمة القضية والإفراج عنهم.
فقد تعالت بعض الأصوات بضرورة الاعتماد علي أجهزة الفحص والتحليل والقياس للفصل بين النماذج المزيفة والآثار ، بيد أنه اتجاه غير دقيق ولن يفلح في تلك المهمة مالم يكن في طليعتها آثاري مرمم يفهم ويفسر نتائجها لتكوين رأي صائب في هذا المنحي، وعلي دراية تامة بعلوم مواد الآثار وخصائصها ، ولا سيما بعد تعرضها لفعل وتأثير عوامل التقادم الطبيعي Natural ageing وما يترتب علي تفاعلاتها من تكون لطبقة سطحية تميز الأثر المتقادم طبيعيا عن نظيره من النماذج المتقادمة صناعيا بوسائل التقادم المعجل Accelerated ageing والمعروفة علي سبيل الخطأ في الحالتين ب"الباتينا" لدي الاختصاصيين في الترميم والصيانة وب"الغبوة" لدي النحاتين والمزيفين، فضلا عن الفهم الدقيق لسيناريوهات وآليات التلف Deterioration mechanisms التي أفرزت تلك الملامح والدلالات الدامغة لهذا الكشف دون ريبة .
# سندٍ علمي صحيح
وتابع مدين:هذا،ولا يعد ذلك ممكناً في حالات كثيرة لضخامة حجم بعض الأجهزة كجهاز التصوير بالأشعة السينية X-ray radiography أو الأشعة المقطعية Computed tomography (CT)،والتي تستخدم لمعرفة أبعاد وحجم اللقي الأثرية داخل كومة من الطين مثلا أو المومياوات داخل التوابيت وفحص سلامة الاعضاء والعظام وتشخيص الكسور والأمراض ولا علاقة لها بكشف التزييف والتزوير Counterfeiting and Forgery detection , وارتفاع ثمن البعض الآخر لدرجة أن مصر لا تمتلك إلا جهازاّ واحداً أو جهازين لبعض الأنواع.
وحتي وإن أمكن حملها مثل جهاز التحليل العنصري بالأشعة السينية Portable XRF والمجهر المجسم Stereo microscope والمجهر المستقطب Polarising microscope وكاشف المعادن Metal detector ومقاييس كثافة الصخور والأجهزة الأخري،فهي تحتاج إلي توجيه من اختصاصي وتحديد لمهامها للحصول علي معلومات وبيانات قد لا تساعد في إدراك الهدف، فضلاً عن أن كثير من هذه الأجهزة غير ناجز لتتمة هذه المهمة الغالية وتعتري نتائجها أخطاء عدة ما لم تتم بطريقة صحيحة وبدقة عالية كي لا يحدث تلوث Contamination للعينات التالية مما يرفع من كلفة استخدامها في هذا الصدد.
وتحتاج إلي مرمم خبير يمتلك أدوات الاختصاص ويفسر النتائج بسندٍ علمي صحيح سواء نتيجة الفحص Investigation أو التحليل Analysis أو القياس Measurement، وأن يكون قادراً علي الفصل بين نظائرها ،وهل تمت بشكل معجل Accelerated أو طبيعي Natural ، كما عن أن إمكانياتنا لا تسمح بذلك والدليل ما نحن فيه معشر الباحثين من حيرة وفقدان شغف وضياع للهمة للنقص الشديد في توفر هذه التقنيات وارتفاع كلفة الاستعانة بها إذا ما توفرت لدينا ، والأمر صعب لكنه ليس مستحيلاً إذا ما قدرنا قيمة آثارنا حيال التضحية بالنفيس من أجلها لاستخدامها في إدراك ما لا تدركه العين بالتكبير أو التصوير أو معرفة التركيب الكيميائي كمساعدات وحسب.
# تجسيم ملامح الأثر
والسبيل في هذا أن ندرب حواسنا وأعيننا إلي إدراك الفصل الصحيح بين الأثر والنموذج المزيف عند فهمنا الشمولي لما يتمخض عن التفاعلات الفيزيوكيميائية من مظاهر تلف تمثل ملامح للتقادم المطلوب رصده ، والزمن اللازم لحدوثها ودلالات حدوثها عن متشابهاتها بالإضافة لملامح نحت وطريقة تفريغ الكتابات وتجسيم ملامح الأثر كحدقة العين وجفونها وحواجبها والأذن والفم والوجنتين وسمتهما وتنفيذ النمس والنقبة في التماثيل مثلاً، ثم نسيج ودرجة خشونة وصقل القطع وقواعدها الجاري فحصها.
ومع مساندةٍ من آثاري أو مفتش خبير أيضا لتكتمل منظومة الفصل الدقيق بين الآثار والنماذج المزيفة بل وإدراك ملامح التزوير في أصل القطع الأثرية (الصحيحة) لأغراض ومآرب من خلال صحة الكتابات وتطابق النموذج للمدرسة الفنية وفق الفترة التاريخية، عن طريق النظر وحده كهدفٍ أسمي دون الاستعانة بوسائل الفحص والتحليل إلا إذا اقتضت الضرورة وتعذر الأمر في إدراك ورصد تلك الملامح التي تكفيها عدسة مكبرة Magnifier ، ولكل حادثة دروبها فالمواد شتي وسلوكها حيال الوسط المحيط يختلف باختلاف التركيب الكيميائي Chemical composition لمادتها ومسامها وشوائبها والمواد التي تشملها من ملونات Colorants ووسائط رابطة Binders ومواد معالجة الأسطح.
بالإضافة إلي التركيب التشريحي Structure والبلوري ودرجة التبلور ، واشتمال النموذج علي أكثر من مادة فيما يعرف بالآثار متعددة المكونات أو باصطلاحها الدارج والمعروف بالآثار المركبة Composite Artifacts، إلي جانب توفر ظروف معينة تضمن حدوث تلك التفاعلات Reactions وكذا توفر محفزاتها Catalysts ، فإذا لم تكن عين المرمم قادرة علي قراءة الدلالات المتوفرة والمعطيات الراهنة فلن تنفعه نتائج الفحص والتحليل باستخدام تلك الأجهزة في الوصول إلي هدفه المنشود نحو تأصيل النموذج موضوع الضبط والمعاينة.
# سؤال يطرح نفسه
والسؤال الذي يطرح نفسه لا سيما والكل يعلم مجاراة المزيفين والمزورين لأحدث الوسائل في إعطاء صبغة القدم Ageing feature والمماثلة للنموذج المعد من جانبهم، ماذا لو استخدم مواد مطابقة للأثر وأحدث بها قدما يوازي ما للأثر من ملامح وكتابات صحيحة هل يمكن لتلك الأجهزة الفصل بين الحالتين دون تدخل اختصاصي الترميم والصيانة لفك طلاسم هذا التشابه والتناظر الدقيق بما يمتلكه من حس أثري يعضده رأي المفتش فيما يخصه من دلالات تاريخية.
وذلك حسب الحقبة التي ينتمي إليها النموذج محل المعاينة وشخصية صاحبها وصحة ماورد بها من نصوص وزخارف ونقوش؟ وهل الاعتماد علي صحة الكتابات سبيل لاعتماد النموذج أثراً مع الوضع في الاعتبار عدم إغفال ذلك من قبل المزيفين المهرة وعدم دخول ذلك في نطاق عمل تلك الأجهزة إلا إذا كانت الكتابات غير واضحة ليراها المرمم والمفتش عبر وسائلها المكبرة أو المصورة كوسيط لرصدها فقط ؟
وتتمةً لما أسلفت أود أن أشير إلي أنه بغض النظر عن إمكانية حمل أجهزة التحليل والفحص لمواقع الضبط والمعاينة من عدمه أنه لا يوجد جهاز في العالم يمكنه أن يفصل بين نموذج مزيف وأثر حتي جهاز كشف العملات المزيفة في البنوك والمصارف،والذي يعمل من خلال لمبة للأشعة فوق البنفسجية Ultra-Violet lamp وغيره كضوء الصوديوم Sodium lamp والأشعة تحت الحمراء وتعددية الأطياف Multi-Spectra لا يمكنها أن تعطي اشعاراً بوجود نموذج مزيف بل تم تزويدها بعنصر في النماذج غير المزيفة تعطي غرفة الأشعة فوق البنفسجية Ultraviolet chamber اشعارا له في حالة غيابه كالعلامة المائيةWater mark أو شريط نسيجي Textile tape في ورق البنكنوت.
# قياس الكثافة الإشعاعية
وهذا غير ممكن في حقل الآثار لأننا لا نستطيع فعل ذلك بالآثار ولن تأتي من أماكن العثور عليها كمقابرها مزودة بهذا ، وبالمناسبة فهي لا تصلح إلا لقراءة النصوص الباهتة Faded texts كما في المخطوطات وطروسها Palimpsests ، كما لن تعطي إشارة بزيفها أو تزويرها إلا بتقدير مستخدمها وما هي إلا وسيط مساعد في هذا ، وعليه فإن طرق التحليل تعطي عناصر Elementsأو مركبات Compoundsأو دلالات لها كالمجموعات الوظيفيةFunctional groups للمواد العضوية أو كالأحماض الأمينينةAmino acids للمواد البروتينية كدلالات للوصول إلي تركيبها الكيميائي للتفريق بين استخدام مادة طبيعية أو صناعية منفذة بطريقة الصب مثلاً من خلال خبرة المرمم أو الصائن وفق دقة تفسيره وإلمامه بمكوناتها وهو دور مساعد لا تدركه تلك الأجهزة ....إلخ.
والفحص يظهر ملامح أو تشققات أو مناطق للحام أو نسق بلوري أواتجاه نسيج أو طبقات ...إلخ ، والقياس يقدر نسبة أو معدل Ratio لمادة ما كالمحتوي الرطوبي أو الشوارد الحرة Free radicals أو نسبة الفلور في العظم والمومياوات أو قياس الكثافة الإشعاعية للكربون المشع ١٤ Radio Carbon14 ومقارنتها بنظيرتها للكربون الحي والتعويض في معادلة من خلال المرمم لتقدير العمر أو دلالات أخري كالحلقات السنوية في الأخشاب والوميض الحراري Thermal luminescence للفخار والأوستراكا كطرق أخري لتقدير العمر Dating والمهمة في هذا الصدد ، والتي لن تكتمل نتائجها إلا بتفسير دقيق وصحيح من المرمم أيضاً ....إلخ.
# التقدير بالعين المجردة
وكلها لن تعطي إشارة واضحة ومحددة لتأصيل نموذج مزيف أم حقيقي أو لتقدير عمره بل إذا كان المرمم علي دراية كبيرة بكل تلك الأمور فإنه المنوط بتنفيذ ذلك وتفسير النتائج وتحويلها إلي معلومات للحكم القاطع طبقا لخبرته ودقة تناوله للمعطيات ، وخلاف ذلك فلا فائدة من تلك الأجهزة ما لم يقودها مرمم خبير واسع المعرفة للفصل بين شكل ونسق ولون وملامح نواتج القدم الطبيعي وغيره الصناعي الذي لن يكون للأجهزة دور فيه ، وهي أدوات مساعدة لاريب والمرمم أصل في هذا مع الوضع في الاعتبار أن دقة النتائج التي يتم التوصل إليها عن طريقها تتأثر بعوامل ومتغيرات مختلفة.
وفي ذلك لا بديل عن تدريب المرمم والمفتش علي الطرق والوسائل والملامح الفنية المميزة وطرق تقدير العمر بالعين المجردة Naked eye، فليست كل أماكن المعاينة مجهزة لاستقبال هذه الأدوات المساعدة وليست كل الظروف مناسبة للاستعانة بها ، من لديه القدرة علي هذا فكلنا آذان مصغية ، وغير هذا لن تحل المشكلة ولن يكون هناك أمل في المدي المنظور لمنع الإخفاقات المتكررة وحماية زملائنا وأولادنا من الزج بهم في السجون ...الموضوع كبير جداً وليس بهذه السهولة وإلا ما كان يحدث ما نحن بصدده ولم يكن محفزاً لتناوله وتبادل الآراء بحقه وما كانت لتتردد الدول المصنعة لتلك الأجهزة في استخدامها بالمطارات و الموانئ لتنفيذ تلك المهمة والاستغناء عن العنصر البشري في إنجازها.











ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق