18‏/05‏/2025

قال:لم تعد مجرد مخازن آثار..د.إسلام عزت:التحول الرقمي للمتاحف يتطلب إطارًا أخلاقيًّا صارمًا

علاء الدين ظاهر 

قال د.إسلام عزت المدرس المساعد بقسم إدارة المتاحف والمواقع الأثرية بكلية آثار عين شمس أنه لم تعد المتاحف اليوم مجرد مخازن للقطع الأثرية، بل تحوّلت إلى مؤسسات ديناميكية تقود التحول الاجتماعي، وتعزز الوعي البيئي والثقافي.



وتابع:وفي هذا السياق، تبرز توصية اليونسكو لعام 2015 بشأن المتاحف ومجموعاتها ودورها، جنبًا إلى جنب مع المراجعة الجارية لمدونة أخلاقيات المهنة الصادرة عن المجلس الدولي للمتاحف (ICOM)لتدعو إلى نموذج متجدد للمتحف الحديث، يقوم على دمج مبادئ الاستدامة والحوكمة الأخلاقية في جميع جوانب العمل المتحفي.



جاء ذلك في محاضرة ألقاها في متحف الحضارة،ضمن فعاليات جلسة حوارية في إحتفالية اللجنة الوطنية المصرية للمجلس الدولي للمتاحف"أيكوم مصر"باليوم العالمي للمتاحف،وتابع:تشدد التوصية الأممية على ضرورة أن تكون المتاحف "مساحات تشاركية" تحتضن التنوع وتخدم كل فئات المجتمع. وفي ضوء ذلك، يُقترح توسيع المبدأ 1.4 من مدونة أخلاقيات المتاحف ليشمل صراحةً اللاجئين والمهاجرين والمجتمعات المهمشة، مع جعل التعدد اللغوي في العرض شرطًا أساسيًّا، لا ترفًا.



ويُعد متحف إيزيكو في جنوب أفريقيا مثالًا حيًّا على ذلك، إذ تعاون مع مجتمع خوي سان لإعادة تفسير المجموعات وتكريم التراث غير المادي. كما أطلق المتحف المصري في تورينو مبادرة رائدة من مديره د.كريستيان جريكو، بترجمة بطاقات العرض إلى اللغة العربية، لتعزيز إشراك الجاليات العربية في إيطاليا وتعزيز التفاهم الثقافي من خلال الترجمة الشاملة.



أما على صعيد الاستدامة البيئية، فيجب الانتقال بها من إطار التطلعات إلى التزامات عملية، عبر مواءمة المبدأ 1.6 مع أهداف التنمية المستدامة، خصوصًا الهدف رقم 11 (مدن ومجتمعات محلية مستدامة) والهدف رقم 13 (العمل المناخي).



ويستدعي ذلك اعتماد ممارسات مثل تدقيق البصمة الكربونية، والحصول على شهادات المباني الخضراء مثل LEED أو EDGE، وتعزيز الشراكات المحلية. وتجسد هذه الرؤية كل من هيئة متاحف الشارقة بمبانيها العاملة بالطاقة الشمسية، ومتحف Zeitz MOCAA بجنوب أفريقيا ببنيته التحتية المستدامة.



وتوازي الاستدامة الاجتماعية هذا التوجه أهمية، إذ ينبغي أن تلتزم المتاحف بضمان أجور عادلة، وتوظيف محلي، وإدماج متخصصين من المجتمعات ذات الصلة، كما يُطبق في متحف التصميم الأفريقي. كما يجب أن تتبنى المتاحف نماذج مالية متنوعة تضمن استقرارها على المدى الطويل، مثل نموذج "30-30-30-10"، الذي يجمع بين التمويل الحكومي والتجاري والخيري والمجتمعي، إلى جانب مراجعة سنوية لخطة التمويل المؤسسية. ويتطلب ذلك أيضًا تعديل المبادئ 4.6 و5.6-5.7 من المدونة لضمان إشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار.



ولا ينبغي أن تكتفي المتاحف باستشارة المجتمعات، بل يتوجب إشراكها فعليًّا في صياغة السرديات والحوكمة التشاركية. وتُعد تجربة متحف تي بابا في نيوزيلندا، ومتحف الحضارات السوداء في السنغال، مثالًا يُحتذى في هذا المجال، خاصة فيما يتعلق بإدارة التراث المحلي أو رفات الشعوب الأصلية. وتبرز هنا أهمية ضمان "الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة"، كما نص عليه إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية (2007)، في كافة التعاملات المتعلقة بالمواد ذات الطابع المقدس أو الحساس.



وفي السياق البيئي، نال المتحف المصري الكبير (GEM) إشادة دولية بفضل التزامه بالاستدامة،فقد حصل عام 2024 على شهادة EDGE Advanced Green Building من مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، ليصبح أول متحف في أفريقيا والشرق الأوسط ينال هذا التقدير. كما نال في عام 2022 جائزة البناء الأخضر، وحصل على الشهادة الذهبية من "نظام الهرم الأخضر المصري" التابع للمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، اعترافًا بتصميمه المستدام وكفاءته المناخية.



ويتطلب التحول الرقمي للمتاحف إطارًا أخلاقيًّا صارمًا، خاصة في رقمنة المعارف التراثية. إذ ينبغي تعديل المبدأ 2.3 لضمان موافقة المجتمعات المحلية على رقمنة تراثها، واحترام سيادة بياناتها، وتقاسم المنافع الناجمة عنها. ويجب أن تُترجم أولويات صون التراث غير المادي إلى سياسات رقمية واضحة، تُشرك المجتمعات وتحفظ حقوقها.



واضاف:على المتاحف أن تدمج الاستدامة البيئية، والاجتماعية، والمالية، والرقمية في صميم إستراتيجياتها المؤسسية. ولا بد من أن تُصاغ مدونة العمل المتحفي القادمة وفق رؤية شاملة، تُقدّر التراث بكافة مقوماته ومكوناته، وتكفل إشرافًا مجتمعيًّا فعّالًا، وتتبنّى مبدأ الموافقة الحرة والمستنيرة في جميع المستويات. فبصفتها حاملة لذاكرة الماضي ومُبتكرة لمستقبلٍ أكثر عدلًا واستدامة، تقع على عاتق المتاحف مسؤولية التحول إلى مؤسسات عادلة، مسؤولة بيئيًّا، ومتجذرة مجتمعيًّا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق