علاء الدين ظاهر
كشفت د.هبة حسن عامر أمين متحف بمتحف الإسكندرية القومي أنه عندما يُذكر اسم الإسكندر الأكبر، يتبادر إلى الأذهان الفاتح الذي لم يعرف الهزيمة، التلميذ النجيب لأرسطو، الذي عبر الصحراء ليزور معبد آمون في سيوة ويُتوّج هناك بلقب "ابن الإله"،صورة رسمتها كتب التاريخ وصقلتها الأساطير، بطل عالمي يقف على أكتاف الأبطال السابقين.
وتابعت في محاضرة لها بالمتحف اليوناني الروماني:لكن خلف هذه الصورة المضيئة يختبئ وجه آخر. فالإسكندر لم يكن فقط من أعلن سياسة "الإخاء" بين المقدونيين والفرس أو من أعاد تماثيل الآلهة إلى معابدها، بل كان أيضًا الرجل الذي أحرق طيبة، وحاصر صور سبعة أشهر قبل أن يدكها بالنار والحديد، وأغرق مولتان في أنهار من الدم بعد أن اخترق صدره سهم كاد يقتله. في برسبوليس، وقف بين أعمدة القصر الملكي الفارسي، وأمر بإشعال النار في واحدة من أعظم مدن الشرق القديم، وكأن النصر لا يكتمل إلا بالرماد.
حتى أصدقاء الطفولة لم يسلموا من قسوته. كليتوس الأسود، الذي أنقذ حياته في معركة جرانيكوس، سقط صريعًا برمح الملك في لحظة غضب. وبارمنيون، الجنرال العجوز وركيزة الجيش، قُتل ببرود ودون محاكمة، فقط لأن الملك شكّ في ولاء ابنه. هكذا صار الدم لغة الإسكندر المفضلة لتثبيت سلطانه.
ومع توسع إمبراطوريته، تضخم جنونه بالعظمة. بدأ يطالب جنوده بالسجود أمامه وفق الطقوس الفارسية، وعندما رفضوا في مدينة أوبيس، واجههم بمذبحة لم تفرق بين عدو وصديق. صار يرى نفسه كائنًا فوق البشر، نصف إنسان ونصف إله.
لكن إذا كان التاريخ قد رسم هذا الوجه الدموي، فإن الأساطير أعادت تشكيله بطرق أخرى أكثر غرابة. في مصر، نسجت الحكايات أن الإسكندر لم يكن ابن فيليب الثاني، بل ابن الفرعون نكتانبو الثاني، آخر ملوك مصر المستقلين، الذي قيل إنه هرب إلى مقدونيا متنكرًا في هيئة ساحر، وتسلل إلى فراش أوليمبياس ليجعل من الإسكندر ابنًا شرعيًا للنيل لا غريبًا عنه.
وفي الشرق، صار الإسكندر هو "ذو القرنين" الوارد في القرآن الكريم، الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبنى السدود، وقهر قوى الشر. كما انتشرت حكايات عن بحثه عن "عين الحياة"، ورحلاته إلى أطراف العالم، في صورة لا تختلف كثيرًا عن جلجامش الباحث عن الخلود.
أما في التراث الشعبي اليوناني المتأخر، فقد أخذت الحكاية منحى أسطوريًا بحريًا. تقول الأسطورة إن أخته تسالونيكي شربت من ماء الحياة وتحولت إلى حورية بحر خالدة. ومنذ ذلك الحين، تواجه البحّارة وسط الأمواج لتسألهم: "هل ما زال الإسكندر حيًّا؟". فإذا أجابوا: "إنه حي ويحكم العالم"، هدأت العاصفة وعاد البحر ساكنًا. لكن إن أنكروا حياته، تحولت الحورية إلى وحش بحري مرعب يجر السفينة إلى الأعماق.
وبين التاريخ والأسطورة يبقى الإسكندر شخصية مركبة، جمعت بين عبقرية عسكرية لا مثيل لها وجنون عظمة لا يعرف الرحمة، بين بطل أسطوري في نظر الشعوب وطاغية دموي في أعين خصومه. مات في بابل شابًا في الثانية والثلاثين، لكن موته لم يُنهِ الحكاية، بل فتح الباب لولادة أسطورة ستظل حيّة في الذاكرة البشرية.
الإسكندر الذي لا نعرفه ليس ذاك البطل الذي تزيّنه النقوش، بل رجل امتزجت حياته بالمجد والدم، وتحوّل بعد موته إلى لغز يتأرجح بين الحقيقة والخيال. والسؤال يبقى معلقًا: هل تصنع العظمة بالرحمة… أم بالنار والأساطير؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق