116 عاماً مرت علي إنشاء المتحف القبطي الذي يقع في منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة،وهي المناسبة التي شهد المتحف إحتفالا بها أول أمس الثلاثاء،حيث يعد المتحف الوحيد في العالم الذي يرصد جمال وتاريخ أحد مكونات مصر بعظمتها وذلك من خلال كنوز الآثار القبطية المعروضة في المتحف.
المتحف القبطي الذي تتولاه حالياً السيدة الفاضلة جيهان عاطف مدير عام المتحف،كان افتتاحه للمرة الأولي بتاريخ 14-3-1910 م،ومع زيادة عدد المعروضات تم بناء جزء جديد في المتحف وتم افتتاحه بتاريخ 20-2-1947 م، وإذا قمت بزيارة المتحف يجب أن تعرف مسبقاً أنه هناك ما يقرب من 16 ألف قطعة آثار تمثل مجموع ما يقتنيه المتحف ما بين المعروضات الموزعة علي 26 قاعة هناك وما هو موجود في مخازن المتحف
وربما لا يوجد افضل من يتحدث عن المتحف القبطي من منشئه مرقص باشا سميكة نفسه،والذي قام بتأليف كتاب نشرته المطبعة الأميرية عام 1932 م عن المتحف وما يضمه من كنوز حتي ذلك الحين،كما ضم الكتاب أيضاً أهم الأديرة والكنائس الأثرية في ذلك الوقت،وهذا الكتاب ضم معلومات كثيرة عن ظروف إنشاء المتحف،وهي الفكرة التي بدأت عام 1907 م،حيث كان يعمل مرقص باشا في السكة الحديد وحينها ترك العمل بها وقرر التفرغ للعمل في الآثار القبطية.
وفي هذا الكتاب كشف مرقص باشا سميكة كيف بدأ تنفيذ الفكرة،وذلك حينما نجح عام 1908 م في إقناع البابا كيرلس الخامس البطريرك رقم 112 بضرورة إنشاء متحف للآثار القبطية،وحينها منحه البابا كيرلس قطعة أرض لإنشاء المتحف عليها،وقدم له التساهيل لجمع القطع الأثرية من الكنائس والأديرة،بعدها قام سميكة باشا بجمع الأموال اللازمة للمشروع،من خلال تبرعات تقدم بها كثير من أعيان الأقباط ومحبي الفنون والآثار.
وتضمن الكتاب أيضا دور بعض محبي جمع التحف في إثراء المتحف بعدد كبير من القطع الأثرية،وتم افتتاح المتحف بشكل رسمي في عام 1910 م،وبعدها ب 10 سنوات وتحديداً في 1920 م قام الملك فؤاد الأول بزيارة المتحف،والذي قرر بعدها ضم المتحف لممتلكات الدولة،وذلك بمقتضي مرسوم بقانون صدر عام 1931 م.
ولإستكشاف مزيد من التفاصيل حول كنوز وتاريخ المتحف قمنا بزيارته والتجول فيه،ووجدنا هناك بالصدفة جولة لبعض الزوار الذين صاحبهم امناء من المتحف وشرحوا لهم كنوزه وتاريخه،وكانت فرصة لنا للسير مع هؤلاء الزوار،حيث إستمعنا لكثير من التفاصيل الأثرية والتاريخية المدهشة عن المتحف،وخاصة أن كثير من كنوزه شاهدة علي التأثير والتأثر المتبادل بين الحضارات والفنون الناتجة عنها،حيث توجد بالمتحف بعض المشربيات والزجاج المعشق بتأثيرات إسلامية،والتي منها أيضا واجهة المتحف نفسها،والتي تعد توأم لواجهة مسجد الأقمر.
وذلك مع اختلاف بعض الرموز والعناصر المسيحية علي الموجودة علي واجهة المتحف،كذلك هناك مجموعة حنايا في المتحف فكرتها كانت في الحضارة اليونانية الرومانية، وبعدها أخذتها الحضارة القبطية واضافت لها ما يتناسب معها،وهي الفكرة التي نراها جميعا في محاريب المساجد، وغيرها من تأثيرات كثيرة متبادلة بين الحضارات المختلفة،حتي أننا نجد تأثيرات من الحضارة المصرية داخل المتحف القبطي في كثير من الكنوز المعروضة.
وفي قاعة اهناسيا بالمتحف هناك قطع أثرية تأريخها ما بين القرن الثالث والرابع الميلادي،ومنها قطع حجرية من بني سويف،حيث كانت إهناسيا أحد المراكز المهمة جدا في مصر القديمة،وعاشت فيها جالية رومانية يونانية وبها قطع مهمة جدا تظهر عليها تأثيرات هذه الفترة الزمنية، بعضها يحمل رمزية قبطية،ومنها الصدفة وهي نتاج تأثير يوناني روماني وأخذتها المسيحية،ومعني الصدفة التي تخرج من الماء أنها رمز النقاء والطهارة والحياة.
وخلال جولتنا مع زوار المتحف،شاهدنا قاعة مقتنيات دير الأنبا أرميا في سقارة،والتي تحتوي علي قطعاً أثرية ترجع للقرن السادس والسابع الميلادي من الدير وخاصة الجداريات،وأبرزها جدارية"تضحية إبراهيم الذي كان في سبيله للتضحية بابنه إطاعة لأمر الله،ويسار الجدارية يظهر النصف الأسفل لشخص وفي اليمين شجرة مربوط بها خروف هو الذبيحة البديلة.
ومن الدير أيضا يقتني المتحف أقدم منبر حجري قبطي، وقد وجد بالقرب من مائدة طعام الرهبان هناك،ونظرا لحجمه فهو معروض في الساحة التي تتوسط مبني المتحف من الداخل،وتحديدا أمام البوابة التي دخل منها عمرو بن العاص عندما فتح مصر،حيث توجد هذه البوابة ضمن المكونات المعمارية للمتحف.
وبمناسبة الحديث عن الجداريات،يقتني المتحف أيضاً ضمن معروضاته جدارية ق 11 م من قرية أم البريجات بالفيوم،وتتحدث عن قصة آدم وحواء قبل وبعد الأكل من الشجرة،ومصور في الجدارية الحية وهي تغوي حواء للأكل من الشجرة،وبها حيوان اقرب في شكله للحصان مربوط في شجرة،وآراء كثيرة فسرت ذلك لكن الأقرب للتصديق منطقيا أن الحصان مربوط كتعبير عن سيطرة الإنسان علي غرائزه بحيث لا ينساق وراءها.
وهناك أيضا جدارية التي تسمي بالقط والفأر وترجع للقرن 6-7 م،حيث يظهر فيها قط وأمامه 3 فئران،وهناك آراء كثيرة لتفسيرها منها البعض قال أنها تحمل ترسيخا لفكرة الصراع الأزلي والهزلي بين القطط والفئران،وان ذلك كان موجودا في أغلب الحضارات،وتفسير آخر قال أنها ربما إشارة للشعب والمستعمر،حيث يظهر فأر يحمل راية ربما للاستسلام،والثاني يحمل سرة من النقود والثالث في يده لفة بردي وأمامهم القط مرسوم ضخماً وثمينا.
وخلال جولتنا رأينا مجموعة من القاعات الرائعة،ومنها قاعة مخصصة للبابا كيرلس الخامس الذي قام بإهداء الأرض التي أقيم عليها المتحف وله اسهامات كثيرة جداً في إنشاء المتحف،وفي القاعه ملابسه وتاجين اهداء له من ملك الحبشة حينها،وهما من البرونز ومزينان بالاحجار الكريمة ومكتوب عليهما بالكتابة الأمهرية،وقاعة الحياة اليومية التي تعرض مجموعة من لعب الأطفال الخشبية، ضمن الحياة اليومية بكل مكوناتها،ومنها اكسسوارات ومكاحل وامشاط،وأحدها مشط نادر جدا مصنوع من العاج، واحد الوجهين عليه مصور معجزتين للسيد المسيح منها معجزة المولود اعمي.
وهناك أيضا قاعة شواهد القبور وبها مجموعة مختلفة معظمها من الحجر الرملي والحجر الجيري،وذلك لكونها كانت المواد المنتشرة في المحاجر علي طول وادي النيل،وفي القاعة قطع رائعة يظهر عليها منقوشًا الصليب ذو العروة،والذي يشبه علامة عنخ أو مفتاح الحياة في مصر القديمة،وبعض شواهد القبور المعروضة عليها النسر وله رمزية في الفن القبطي،كونه من الطيور الجارحة ويحلق علي إرتفاعات عالية،وهو يرمز للتجديد والسمو أو القيامة،وقد ظهر النسر في الإمبراطورية الرومانية ودل علي القوة.
وفي قاعة الأيقونات شاهدنا مجموعة رائعة من الأيقونات وهي تمثل تطورا لفكرة لوحات الجداريات،ومن أبرز ما رأيناه في القاعة أيقونة رائعة للقديسة بربارة وهي شهيدة من القرن الثالث الميلادي وإشتهرت في العصور الوسطى في الشرق والغرب،وأيقونة أخري لإثنين من القديسين هما أهراكس وأوجاني مصورين بوجه كلب،وأيضا أيقونة القديسين سرجيوس وواخس،وهما جنديان سوريان إستشهدا معا،وهذه الايقونة من دير البراموس في وادي النطرون.
ولأن الكنوز الأثرية بالمتحف كثيرة جداً لا تكفيها زيارة واحدة،لذلك سنذكر لكم بعضا من أبرزها والتي رأيناها خلال جولتنا هناك،منها قطعة نسيج الزمار وهي من قرية الشيخ عبادة بالمنيا،والشخصية الرئيسية فيها رجل يمسك زمارة،كما يظهر راقصين وفرسان علي ظهور الجياد،ربما يكون مظهرا احتفاليا أو جنود عائدين من الحرب،وقطعة عبارة عن تاج عمود من الحجر تكشف براعة الفنان في النحت،حيث صور حركة الأغصان والنباتات وهي منحوتة تداعبها الرياح،وحنية المسيح من دير الأنبا أبولو من باويط،وهي من الأهمية بحيث أن متحف اللوفر الفرنسي به قاعة مخصصة لباويط وكنوزها الأثرية.
وهناك أيضا كنز العملات الذهبية الذي يضم حوالي 400 عملة ذهبية،وعلي وجهها الأول الأباطرة الرومان والوجه الآخر الآلهة أو المعبودات في هذا العصر،وقد عثر علي هذا الكنز في دير الأنبا شنودة"الدير الأبيض"في سوهاج،ويحتوي علي عملات من العصر البيزنطي،ولوحة مرسوم فيها صليب مزخرف بحبات الرمان الذي يحمل دلالات مهمة في المسيحية،وذلك لأن الرمان أحمر كرمز للشهداء،وحباته متراصة ومتماسكة كدليل علي قوة وصلابة الإيمان.







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق