15‏/05‏/2026

ماجستير بتقدير ممتاز..دراسة عن تأثير الطحالب علي آثار الإسكندرية وإنقاذها منها..تفاصيل

علاء الدين ظاهر 

تُعد مدينة الإسكندرية أيقونة الحضارة الإنسانية وعاصمة المعرفة عبر العصور؛ فهي لم تكن يوماً مجرد حيز جغرافي، بل سجلاً حافلاً جسد تاريخ الحضارات المتعاقبة. وتتفرد مباني الإسكندرية بهوية فنية ومعمارية عريقة تعكس فلسفة مؤسسها الإسكندر الأكبر في الخلود، وتضم بين جنباتها ذخائر أثرية شاهدة على امتزاج الثقافات الإنسانية.


وقد كانت الإسكندرية محوراً لرسالة ماجستير عن ترميم الآثار تمت مناقشتها في كلية الآثار بجامعة عين شمس، ومقدمة من الباحثة حبيبة محمود السيد محمد بعنوان" دراسة التأثيرات المتلفة للطحالب على أحجار المباني الأثرية الساحلية بمدينة الإسكندرية - تطبيقاً على أحد المباني المختارة"



وتمت تحت إشراف أ.د.محمود عبد الحافظ آدم أستاذ ترميم الآثار بكلية الآثار جامعة القاهرة ووكيل كلية الآثار و التراث الحضاري بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري،ود.أماني محمد وحيد مدرس علم الطحالب قسم النبات و الميكروبيولوجيا كلية العلوم قجامعة الإسكندرية،ود.أحمد محمد صادق نائب مدير الترميم المركب خوفو الثانية بهيئة المتحف المصرى الكبير،ومدرس منتدب بمعاهد أبو قير العليا.


الحجر الجيري 


وضمت لجنة المناقشة والحكم أ.د.محسن محمد صالح أستاذ ترميم الآثار بكلية الآثار جامعة القاهرة وعميد الكلية"مناقشاً ورئيساً"،وأ.د.شيماء السيد الشافعي أستاذ الكيمياء الفيزيائية بالمركز القومى للبحوث بالدقى"عضواً مناقشاً"،حيث أشادت اللجنة بالباحثة والمجهود الذي قامت به،وقررت منحها درجة الماجستير بتقدير ممتاز.


وحسب الدراسة التي أجرتها الباحثة،يبرز الحجر الجيري كأهم مواد البناء والتشييد التي اعتمد عليها المعماري المصري منذ العصور القديمة، إلا أن طبيعته المسامية العالية جعلته عرضة للتأثر المباشر بالعوامل الجوية والبيئية،وتعد قلعة قايتباي نموذجاً فريداً لهذا التحدي؛ إذ إن موقعها الاستراتيجي على ساحل البحر الأبيض المتوسط جعلها بيئة خصبة للاستعمار الميكروبيولوجي، ولاسيما الطحالب، التي تجد في رذاذ البحر والرطوبة العالية والرياح المحملة بالأملاح ملاذاً للنمو.


وتكمن خطورة التلف الطحالبي في قدرته على التفاعل كيميائياً مع المكونات المعدنية للحجر، مما يؤدي لتكوين مركبات ثانوية هشة تسبب تحلل السطح وفقدان التماسك، وهو ما يعرض طبقات الحجر الداخلية لدورات تلف متكررة،ومن هنا، تبلورت فكرة الدراسة تحت عنوان: "دراسة التأثيرات المتلفة للطحالب على أحجار المباني الأثرية الساحلية بمدينة الإسكندرية – تطبيقاً على أحد المباني المختارة".


إبتكار تقنيات 


وتناولت الدراسة ميكانيكا التلف الميكروبيولوجي بقلعة قايتباي، مع تحديد الأنواع الطحالبية المسؤولة عن تدهور الحجر ومنهجية التعامل العلمي معها،وقد سعت إلى ابتكار وتطبيق تقنيات تنظيف وتقوية تعتمد على المواد والخصائص النانومترية،واستئصال المستعمرات الطحالبية وتثبيط نموها المستقبلي، مع إكساب الحجر الجيري خواص "التنظيف الذاتي" والحماية من نفاذية المياه والرذاذ الملحي. وبذلك، لا تكتفي المعالجة بالترميم الظاهري، بل تمتد لتوفير "طبقة حماية ذكية" تعزز من ديمومة الحجر ومقاومته للإفرازات الحيوية وعوامل التجوية الساحلية.



وتوصلت الدراسة لعدد من النتائج المهمة،ففي ضوء المنهج العلمي المتبع فيها،والذي اعتمد على توظيف التقنيات النانومترية في أعمال التقوية وتعزيز الخصائص الفيزيوميكانيكية للأحجار الجيرية المصابة بالتلف الميكروبيولوجي الناتج عن الطحالب، تم إجراء تجارب التقوية على المكعبات الحجرية التجريبية المماثلة لأحجار مبنى القلعة موضوع الدراسة، وقد شملت هذه التجارب استخدام مجموعة من المتراكبات النانوية التي تم اختيارها بعناية لتحقيق أعلى كفاءة ممكنة في التقوية والحماية.


وقد أوضحت الدراسة ما تضمنه المتراكبات النانومترية المستخدمة نانو هيدروكسيد الكالسيوم ونانو أكسيد التيتانيوم كمحسنات نانوية، أُضيفت إليها مواد بوليمرية مختلفة، احتوت على الفينوري والإستيل 1000 والكيتوزان، لهدف دراسة تأثير كل متراكب على الخصائص الفيزيائية والميكانيكية للحجر الجيري، ومدى قدرته على مقاومة عوامل التلف المختلفة.


إمتصاص الماء 


كما مكنت الدراسة من التأكد من النتائج التى أظهرت نجاحا واضحا للمتراكب النانو متري المكون من الإستيل 10000و مزيج من الجسيمات النانومترية لنانو هيدروكسيد الكالسيوم مع نانو التيتانيوم هو الأفضل لمثل هذه الحالة، في الحفاظ علي القيم اللونية للحجر وتحسين الخصائص الفيزيوميكانيكة له، وبخاصة التلف الميكروبيولوجي، مما يجعله ملائمًا لتطبيقات التقوية والحماية في المباني الأثرية الساحلية.


كما تبين من الدراسة بأن المتراكب النانو متري المختار له قدرة علي تحسين خاصية الكراهية لامتصاص الماء وتفعيل خاصية التنظيف الذاتي للسطح وتشتيت الأشعة الضارة وكذلك في تثبيط النمو للكائنات الحية الدقيقة وتمعدنها وذلك بفعل جسيمات نانو أكسيد التيتانيوم،كما أوضحت الدراسة أن المتراكب النانومتري من المواد الصديقة للبيئة والتي تساعد علي تكوين جسيمات سليكات الكالسيوم بداخل تركيب الحجر.



وكشفت الدراسة بوجه عام أن نتائج الجانب التجريبي من خلال تطبيق تقنيات التنظيف النانومترية ساهمت في تعزيز وتسريع معدلات التنظيف، وتثبيط مستعمرات التلف الميكروبيولوجي، وإزالة نواتج الإصابة الطحالبية من على الحجر الجيري، إلى جانب تقليل امتصاصه للماء والتصاق الأتربة والاتساخات به.


وفي ضوء هذه النتائج لوحظ أن أفضل تدخل آمن وفعال للقيام بأعمال التنظيف الكيميائي الرطب لمبني قلعة قايتباي يتمثل في استخدام كمادات نانومترية تحتوي على نانو أكسيد التيتانيوم محملة على الأربوثيل، لما أثبتته من كفاءة عالية في أعمال التنظيف الكيميائي للطحالب مع الحفاظ على الخصائص السطحية والقيمة الأثرية للحجر.  


إستخدام الكمادات 


وفي ضوء النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة بشأن مظاهر التلف المختلفة التي تُعاني منها أحجار مبنى قلعة قايتباي، وبخاصة التلف الميكروبيولوجي الناتج عن نمو الطحالب في البيئة الساحلية، وما أثبتته التجارب المعملية من كفاءة بعض المواد النانومترية في أعمال التنظيف والتقوية،فقد إنتهت إلي عدة توصيات مهمة.


وفيما يتعلق بالتوصيات الخاصة بأعمال التنظيف،توصي الدراسة باستخدام الكمادات النانومترية المحتوية على نانو أكسيد التيتانيوم المحمل على الأربوثيل كخيار أساسي في أعمال التنظيف الكيميائي للأسطح الحجرية المصابة بنمو الطحالب، نظرًا لفاعليتها العالية في إزالة المستعمرات الطحلبية ونواتجها، مع الحفاظ على طبقة الباتينا الأصلية للحجر وعدم التأثير على مظهره الأثري.



وتوصى أيضا بإستخدام محلول نانو أكسيد التيتانيوم بصورته المنفردة كبديل فعال في الحالات التي تتطلب تنظيفًا أقل تدخلاً، حيث أثبت كفاءة جيدة في إزالة التلوين الطحلبي مع الحفاظ على سلامة السطح الحجري،ويمكن استخدام كمادات نانو أكسيد التيتانيوم المحملة على نانو جيل السليلوز في حالات النمو الطحلبي الكثيف، لما لها من قدرة على بهتان الصبغات الخضراء، على أن يراعى تقييم الحالة الأثرية لكل سطح قبل التطبيق.


التلف الطحلبي


كما توصي الدراسة بعدم استخدام نانو أكسيد الزنك المحمّل على الأربوثيل في أعمال إزالة التلف الطحلبي، نظرًا لانخفاض كفاءته مقارنة بالمواد النانومترية الأخرى، وكذلك عدم استخدام المذيبات العضوية التقليدية مثل الكحول والأسيتون، لما لها من تأثيرات سلبية تمثلت في تفتيت الطبقة السطحية للحجر وعدم قدرتها على إزالة نواتج المستعمرات الطحلبية بفاعلية.


أما التوصيات الخاصة بأعمال التقوية والحماية،توصي الدراسة بإضافة نانو أكسيد التيتانيوم كمحسّن نانومتري إلى مواد التقوية والحماية المستخدمة في ترميم الأحجار الجيرية الأثرية، لما يتمتع به من خصائص كيميائية وفيزيائية وميكانيكية تُسهم في تحلل المواد العضوية والإتساخات، والحد من تأثير الملوثات الجوية، وتعزيز مقاومة الحجر لعوامل التلف المستقبلية. 


وأيضاً توصي الدراسة باستخدام متراكبات نانوية مكونة من نانو هيدروكسيد الكالسيوم ونانو أكسيد التيتانيوم مضافين إلى بوليمر الإستيل 1000، لما أظهرته من كفاءة عالية في ملء المسام الدقيقة، وإعادة ربط المكونات المعدنية للحجر، وتحسين الخواص الفيزيوميكانيكية ومقاومة التقادم الحراري والملحي.


صيانة وقائية


وفي مناطق التقشر السطحي (Exfoliation)، يُوصى بخلط المواد النانومترية مع حبيبات الميكروبالون للحصول على مستحلب نانوي مناسب لملء الفراغات البينية بين القشور، بما يسهم في تثبيت الطبقات السطحية دون إحداث ضغط ميكانيكي ضار.


وتضمنت الدراسة توصيات وقائية وإدارية،وذلك بضرورة تبني برنامج صيانة وقائية دورية لمبنى القلعة محل الدراسة، يُعد بديلاً عن التدخلات العلاجية المتأخرة، مع التركيز على الرصد المبكر لمظاهر التلف الميكروبيولوجي والملحي.



وإنشاء نظام مراقبة بيئية مستمرة لمبنى القلعة، يشمل قياس نسب الرطوبة ودرجة الحرارة وتركيز الأملاح والملوثات الجوية، بما يسمح باتخاذ إجراءات وقائية مبكرة تحد من تفاقم مظاهر التلف،مع ضرورة تنفيذ أعمال الترميم باستخدام تقنيات حديثة متوافقة مع طبيعة مواد البناء الأصلية، وبما يحافظ على الطابع الأثري والتاريخي للمبنى دون المساس بقيمته الجمالية أو المعمارية.


السلامة المهنية 


كما أوصت الدراسة بإعداد برامج توعية مجتمعية وسياحية تهدف إلى إبراز القيمة التاريخية والأثرية لقلعة قايتباي، وتعريف الزوار بأهمية الحفاظ عليها، مع توظيف وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في نشر ثقافة الحفاظ على التراث.


وتوظيف التقنيات الرقمية الحديثة مثل الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) لعرض مراحل الترميم وأعمال الصيانة السابقة، بما يسهم في دعم السياحة الثقافية ويعزز وعي الجمهور بأهمية التراث الأثري.


وأكدت الدراسة على ضرورة الالتزام بإجراءات السلامة المهنية أثناء تنفيذ أعمال الترميم، من خلال ارتداء القفازات والأقنعة والملابس الواقية عند التعامل مع المذيبات العضوية أو المواد الكيميائية، حفاظًا على صحة العاملين في مجال الترميم والصيانة. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق