علاء الدين ظاهر
كشف د.سامي صالح عبد المالك والذي يعد من أبرز الأثريين الذين عملوا في سيناء أن المكتشفات الآثارية تسهم بشكل جاد ومهم في تحديث المعلومات التاريخية الحضارية خاصة لو كانت نقوشا كتابية تعميرية وإنشائية..جاء ذلك في كتابه المهم"سَيْنَاء..حصونها وقلاعها"،الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب،ونستعرض مقتطفات منه عبر عدة حلقات.
--------------------------------------
لقراءة الحلقة الأولى👈🏻 هنا
--------------------------------------
وتابع:فمن الممكن إضافة منشآت لم تكن معروفة من قبل في النصوص التاريخية المختلفة، أو تكون المكتشفات تأكيدًا لما ورد في النصوص التاريخية وهي أيضا تعتبر من الدوافع والأسباب العلمية الرئيسة لاختيار موضوع هذا الكتاب، وبناءً عليه قررت منذ البداية أن يكون بحثي عن فترة مهمة وحاسمة في تاريخ وآثار سيناء خلال العصور الوسطى، وهي مدة الصراع والمواجهة بين الشرق والغرب المعروفة والشهيرة في مصادرنا بحروب الفرنج وفي مصادرهم بالحروب الصليبية، وما ترتب عليها من ازدهار نوع من العمارة الإسلامية الدفاعية ممثلة في الحصون والقلاع والمدن المحصنة.
وهي العمائر التي أصبحت لها المرتبة الأولى في سيناء خاصة ومصر عامة في ذلك العصر، ولما لا وقد اعتبرها الفقه الإسلامي من البناء الواجب، فسيناء لم ينتشر فيها قبل العصر الإسلامي عمارة القلاع الدفاعية على ذرى الجبال، وصلاح الدين مشيد هذه القلاع سواء في مصر أو سيناء، كان بناء عظيما عالما بكيفية تشييد الأسوار، وحفر الخنادق، وأنه صاحب فكرة إدخال القلعة كمنشأة معمارية حربية دفاعية تشيد على ذرى الجبال الحاكمة إلى تحصينات مصر الدفاعية.
وهو ما أكد عليه عن كتب عند مقابلته له في القدس كشاهد عيان الرحالة والطبيب عبد اللطيف البغدادي ( ت ٦٢٩ هـ / ١٢٣١ م ) إذ قال: رأيت ملكا عظيما يملأ العين روعة، والقلوب محبا قريبا بعيدا سهلا مجيبا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال تعالى { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلَّ } (۱). وأول ليل حضرته وجدت مجلسًا حفلًا بأهل يتذاكرون في أصناف العلوم وهو يُحسن الاجتماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار، وحفر الخنادق، ويتفقه في ذلك، ويأتي بكل معنى بديع (۲).
وتابع د.سامي صالح عبد المالك:وقد كان اختياري الموضوع هذا الكتاب: سيناء حصونها وقلاعها منذ الفتح الإسلامي حتى العصر الأيوبي دراسة في الفراغ الإستراتيجي لصحراء سيناء» - على الرغم مما كنت أعلمه من أن مشاكل كثيرة ستقابلني عند الكتابة في هذا الموضوع - لأنها تمثل فترة حاسمة في تاريخ شبه الجزيرة خلال العصور الوسطى، حيث تم تحرير قلعة جزيرة أيلة صلاح الدين بجزيرة فرعون، وإعادة إعمارها وتحصينها لتكون كالحارس الأمين على فم البحر الأحمر، وبلاد الحرمين الشريفين، ولازدهار العمارة الحربية وظهور القلعة كمنشأة قائمة بذاتها وباقية خلال هذه المدة حتى يومنا هذا لا في سيناء فقط بل في مصر كلها، ولتغير المفهوم الدفاعي الحاكم بالنسبة إلى صحراء سيناء.
فبعد أن كانت منطقة فصل في الغالبية العظمى من الفترات التاريخية المتعاقبة عليها، أصبحت منطقة وصل وتكامل خاصة بين مصر وبلاد الشام، ومحور الوسط منها الذي استطاع صلاح الدين إبراز دوره هذا للمرة الأولى في التاريخ، وأصبح لتلك الصحراء دور هجوميا واصلا بعد أن كان دورها دفاعيًا فاصلا ، وما لعبته من دور فاعل ساهم في النهاية في تحرير بيت المقدس، واستردادها مرة ثانية للدولة الإسلامية في عهد محررها صلاح الدين.
أما عن الدوافع العلمية التي كنت أمل وأطمح في تحقيقها، وكانت السبب الرئيس وراء اختيار بحث هذه الحقبة من تاريخ سيناء، أن هذه الحصون المكتشفة والقلاع لم تدرس من قبل دراسة علمية متخصصة في الوقت الذي حظيت فيه الآثار القديمة الممتدة من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الروماني بالاهتمام من خلال المسوحات، والتنقيب الآثاري، والبحث والدراسة على يد الأجانب سواء قبل أو أثناء الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى بعد عودة سيناء للوطن الأم مصر.
ويُضاف إلى ذلك أن هذه المواقع بكر من الناحية الآثارية فأول حفائر آثارية أجريت فيها كانت خلال عام ١٩٨٣م خاصة تلك التي أجريت في حِصن الفَرَمَا العباسي، أما قبل هذه السنة فلم تجر فيها أعمال حفائر علمية منظمة، وإنما كانت أعمال هدم وتخريب من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي بهدف تحصينها كموقع عسكري، ثم تتابعت الحفائر الآثارية بعد ذلك في بعض الحصون والقلاع خاصة تلك التي قمت بها، أو بعثات أجنبية كالبعثة اليابانية في ميناء راية والطُّور.
واضاف:واستطاعت هذه الحفائر الآثارية أن تُضيف وتغير الكثير من تاريخ وعمارة، ودور هذه الحصون والقلاع عما كان معروفًا من قبل، فتم الكشف عن تخطيطاتها، وملحقاتها الرئيسة، وعناصرها المعمارية، ونقوشها الإنشائية والزخرفية وسواها، ولم تجن ثمار، ونتائج هذه الحفائر بشكل علمي حتى قيامي بهذا العمل، وكذلك بعض البحوث العلمية المحكمة التي نشرتها من قبل.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق