علاء الدين ظاهر
منذ آلاف السنين، تركت الحضارة المصرية القديمة بصمة فريدة على العالم، لم تقتصر على الفنون والعمارة والعلوم، بل امتدت إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، ومنها الملابس والمجوهرات،وهذه البصمة الجمالية والرمزية لا تزال حتى اليوم مصدر إلهام لعدد لا يحصى من المصممين العالميين في مجالات الأزياء والمجوهرات والموضة. فمن خلال الرموز والمواد والألوان، استطاع المصري القديم أن يخلق لغة بصرية عابرة للزمن، ألهمت الفنانين والمبدعين في عصور مختلفة وحتى يومنا هذا.
الدكتورة هبة حسن عامر دكتوراة في التاريخ اليوناني والروماني ومحاضر زائر بكلية الآثار واللغات جامعة مطروح قالت:في مصر القديمة، لم تكن المجوهرات مجرد زينة، بل كانت تحمل دلالات روحية واجتماعية عميقة. كان اللازورد الأزرق رمزًا للسماء والأبدية، أما الفيروز فارتبط بالحماية والبعث. كما حملت الرموز مثل "العنخ" (رمز الحياة)، و"عين حورس" (رمز الحماية)، و"الجعران" (رمز التجدد والبعث) مكانة محورية في تصميم الحلي. هذه الرمزية جعلت المجوهرات المصرية القديمة ليست مجرد قطع جميلة، بل نصوصًا بصرية تحكي قصة مجتمع يؤمن بالخلود.
مع اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون عام 1922، اجتاح العالم موجة من "الهوس بمصر" أو ما يُعرف بـ Egyptomania. هذا الشغف انعكس على الفنون والديكور والموضة في أوروبا وأمريكا، وظهر جليًا في فترة "الآرت ديكو" التي دمجت الرموز المصرية في تصاميمها. شركات المجوهرات الكبرى مثل Cartier وBulgari قدّمت مجموعات كاملة مستوحاة من الرموز الفرعونية، أبرزها بروش "Scarab" الشهير الذي جمع بين قطعة أثرية مصرية قديمة وتصميم حديث من الذهب والأحجار الكريمة.
لم يقتصر الإلهام على المجوهرات فقط، بل امتد إلى عالم الأزياء. الأقمشة الخفيفة مثل الكتان التي اشتهر بها المصريون القدماء ألهمت مصممي الملابس الصيفية المعاصرة. أما أيقونة "كليوباترا" بعيونها الكحيلة وتيجانها المزخرفة، فقد أصبحت مصدر إلهام دائم لعروض الأزياء والأفلام. وقدّمت دور عالمية عروضًا استثنائية مستوحاة من مصر، مثل عرض ديور Dior عند سفح الأهرامات بالجيزة، الذي أعاد إبراز العلاقة بين الموضة والحضارة المصرية كرمز للأناقة الخالدة.
وبرزت المصممة المصرية عزة فهمي كأيقونة في عالم المجوهرات، حيث مزجت الرموز الفرعونية والعربية في تصاميم عصرية راقية. مجموعاتها التي تتضمن "عين حورس"، و"العنخ"، والكتابات الهيروغليفية أعادت تقديم التراث المصري بروح معاصرة، لتصبح مثالًا عالميًا على كيفية تحويل التاريخ إلى إبداع حديث.
لكن مع كل هذا الإلهام، يظل هناك جدل حول الخط الفاصل بين الاستلهام الفني و"الاقتباس الثقافي". فحين يستخدم المصمم رموزًا مصرية كديكور فقط دون إدراك دلالاتها الروحية والتاريخية، يتحول الأمر إلى استغلال سطحي. ولهذا يشدد خبراء الموضة والثقافة على أهمية أن يكون الاقتباس مدعومًا بالبحث التاريخي والفهم العميق، ليظل الاحترام حاضراً تجاه الحضارة التي منحت العالم هذا التراث البصري الفريد.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق