علاء الدين ظاهر
خوفو..ربما عندما تسمع هذا الإسم قد لا تحتاج لعمل بحث عنه لتعرف من هو ولا ماذا يعني هذا الإسم،لأنه ببساطة مرتبط بأحد أشهر ملوك مصر القديمة والذي ترك بناءاً يعرفه كل العالم..هرم خوفو أو الهرم الأكبر الذي يعد بمثابة أيقونة للحضارة المصرية،لكن الملك خوفو لم يترك لنا هرما فقط،بل ترك أيضاً كنزا مدهشاً سيشاهده كل زوار المتحف المصري الكبير بعد ما تم الإفتتاح الرسمي له.
وهذا الكنز هو مراكب الشمس"الأولي والثانية- مراكب خوفو"والتي تشهد في متحفها الجديد بالمتحف المصري الكبير سيناريو عرض مبهر ومختلف،بما يتناسب مع قيمتها الأثرية والتاريخية،خاصة أن مساحة متحف مراكب خوفو بالمتحف المصري الكبير تبلغ حوالي 22 ألف متر،ومجهز على أعلى مستوى بما يضمن الظروف البيئية المناسبة لحماية المعروضات فيه،كونها من الأخشاب وهي آثار عضوية تحتاج لظروف حفظ مناسبة.
حجر الأساس
وقبل عدة سنوات قريبة كان كل زوار منطقة الأهرامات يرون خلف هرم خوفو مبني متحف مركب خوفو الأولي،والذي تم وضع حجر الأساس له بتاريخ 23 يوليو 1961م،وقام بذلك د.ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد القومى التنفيذي بالإقليم الجنوبي،وقد أنابه في ذلك الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة حينها،وظل المبني هكذا لأكثر من 40 عاماً،حتي تم نقل المركب وهدم المبني قبل سنوات قليلة.
ونبدأ الحكاية منذ عام 1954 م حينما تم إكتشاف مركب خوفو الأولي في منطقة الهرم،وذلك علي يد الكاتب الصحفي وعالم الآثار كمال الملاخ،حيث كان حينها يشغل منصب رئيس قسم الهندسة بهيئة الآثار المصرية،وتم إكتشاف المركب جنوب هرم خوفو،حيث كانت مفككة وموضوعة علي هيئة ألواح متراصة مصنوعة من خشب الأرز،وبجوارها الحبال التي كانت تربطها،وذلك أثناء تنظيف هذه المنطقة من الرمال المحيطة بها،وعبر سنوات تمت إزالة الأتربة من حول حجرة المركب وإستخراجها، وتم ترميمها وربطها وإعادة بنائها مرة أخري،وذلك علي يد المهندس الحاج أحمد يوسف المرمم الذي أعاد لها الروح،ثم تقرر بعد ذلك بناء متحف خاصه بها.
خشب الأرز
وتاريخيا صنعت المركب قبل حوالي 5000 سنة،وهي مركب ملكي بمجاديف من خشب الأرز،وزعانف التوجيه وسقالة تستخدم عند الرسو على الشاطيء،وعند العثور عليها كانت حوالى 1222 قطعة فى 13 طبقة مرتبين بعناية، وأكبر قطعة طولها 23 متر والأصغر 10 سم،في حين يبلغ طول المركب 43.4م ووزنها ما يقرب من 45 طنا،وهو ما كان تحديا أمام عملية ترميمها وإعادة بنائها مرة أخرى،لكن الحاج أحمد يوسف نجح في ذلك طوال ما يقرب من 20 عاماً،قضاها مع فريقه من العمال والفنيين في ترميم الأخشاب من الأضرار التي لحقت بها عبر آلاف السنين من وضعها في الحفرة،ثم رسم كل تفاصيل المركب ومواضع الربط فيها حتي تمت عملية إعادة بنائها وتجميعها مرة أخرى وعرضها في متحفها الذي كان بجوار هرم خوفو.
وكما كانت تلك العملية تحديا تصدي له المصريون بنجاح،كذلك مثلت عملية نقل المركب من الهرم إلي المتحف المصري الكبير تحديا ضخماً أيضاً،لكن المصريون كعادتهم كانوا لها،حيث نجح فريق من الأثريين والمرممين والمتخصصين البارعين من المتحف المصري الكبير في نقل أكبر وأقدم وأهم أثر عضوي،وفي مقدمتهم اللواء عاطف مفتاح المشرف الهندسي علي مشروع المتحف المصري الكبير،والذي قاد عملية النقل باحترافية شديدة،وقد مثلت عملية النقل إنجازا جديداً للمصريين عامة ولفريق المتحف بصفة خاصة،والذي ضم أثريين ومهندسين وتخصصات أخري من أصحاب الخبرة الكبيرة،ونجحوا في وضع مركب خوفو الأولي في كونتينر ضخم تم تأمينه جيداً.
خط السير
وفي 6 أغسطس 2021 غادرت السيارة التي تحمل المركب منطقة الهرم،وكان خط السير طريق الفيوم حتي ميدان الرماية حتي الوصول إلي المتحف المصري الكبير،وهناك إستقرت داخل مكان مخصص لها لحين الإنتهاء من مبني متحف مراكب الشمس داخل المتحف المصري الكبير،ليتم عرضها بشكل مبهر مع المركب الأولي،وقد تمت عملية النقل بدقة شديدة لضمان كافة سبل الحماية للمركب،خاصة أنه تم نقلها كقطعة واحدة داخل هيكل معدني للحماية.
أما مركب خوفو الثانية بدأت قصتها عام 2010 م في الحفرة الخاصة بها المجاورة لمبني متحف المركب الأولي، حيث تم حينها تجهيز الموقع وبناء هانجر كبير مجهز لإستخراج قطع أخشاب المركب وعمل الصيانة والترميم الأولي لها،حيث تم إنشاء معمل ترميم أخشاب مؤقت بالمكان،وتم عمل الفحوص والتحاليل العلمية اللازمة واختيار مواد الترميم المناسبة.
توثيق ليزر
وفي 2011م تم رفع الغطاء الحجري الذي كان يغطي حفرة المركب،وبدأت أعمال رفع واستخراج الاخشاب والعمل علي ترميمها أولا بأول،حيث كانت أخشاب المركب وعددها حوالي 1264 قطعة موضوعة داخل الحفرة في 13 طبقة،وكانت كل قطعة يتم إستخراجها يتم ترميمها في المعمل وعمل توثيق ليزر سكان لها،خاصة أن فريق العمل بعد ذلك قام بتجميع المركب اولا علي الكمبيوتر وذلك لضمان أفضل واقصي درجات الدقة في تجميعها داخل المتحف.
وفي وقت سابق استطعنا القيام بجولة داخل متحف مراكب خوفو أثناء العمل به،حيث كانت تجري فيه اعمال تجهيزه لعرض المركبين الأولي والثانية،وقد شاهدنا خارج المبنى شيئا مبهرا يجري العمل عليه،حيث كان يجري إنشاء نموذج محاكاة لحفرة مركب خوفو،والتي تماثل في تصميمها المعماري نفس الحفرة التي كانت في منطقة الأهرامات،والمحاكاة وصلت إلي حد مدهش كما رأينا،حيث تمت خلالها الاستعانة بالأحجار الحقيقية نفسها التي كانت فوق الحفرة الأصلية،مع إجراء الصيانة والترميم اللازم لها،حيث تتاح الفرصة للزوار حينها عند دخول الحفرة والمرور أسفل الأحجار،لرؤية الكتابات والجرافيتي الذي كتبه المصري القديم علي الأحجار منذ آلاف السنين.
همة ونشاط
وعقب تفقدنا للمشهد الرائع بالخارج،دخلنا إلي مبني متحف المراكب ورأينا حجم العمل والانجاز داخله،حيث كان يقوم العاملون هناك بكل أعمال البناء والتشييد بهمة ونشاط،مع اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للسلامة المهنية،وهو المتبع في كل الأعمال بالمتحف المصري الكبير،كما شاهدنا مركب خوفو الأولي داخل غرفة خاصةً في مبني متحف المراكب،وقد تم عمل التأمينات اللازمة لها للحفاظ عليها وضمان أقصي درجات السلامة والأمان لها،مع متابعتها بشكل لحظي.
كما كان يجري العمل بدقة ومهارة داخل معامل مركز الترميم في المتحف الكبير،وذلك لترميم وصيانة أخشاب مركب خوفو الثانية،حيث كان يتم إستخراجها أولا بأول من حفرتها المجاورة لمبني متحف المركب الأولي في الهرم ونقلها إلي المتحف،وعقب الإنتهاء من ترميم كل الأخشاب وصيانتها بشكل تام،قام فريق عمل المتحف من أثريين ومرممين ومختلف التخصصات بإعادة تركيب أخشاب المركب،وذلك بنفس الطريقة والتقنيات التي إستخدمها المصري القديم منذ آلاف السنين،ثم عرضها بجوار المركب الأولي داخل مبني متحف المراكب،وذلك بسيناريو عرض مبهر يوضح روعة وأهمية المراكب في الحضارة المصرية القديمة.
وحالياً يقوم متحف مراكب الملك خوفو بعرض المركبتين الملكيتين الكبيرتين اللتين تم اكتشافهما على الجانب الجنوبي من الهرم، بجانب الهرم الأكبر للملك خوفو في عام ١٩٥٤م،حيث تم إعادة بناء واحدة منهم بالكامل، بينما سيتمكن الزوار من مشاهدة عملية بناء وترميم المركب الثاني خلال الزيارة كجزء من العرض المتحفي المتحف يستكشف كيفية استخدام القوارب في نهر النيل وأساليب التشييد، وأهميتهم في التبادل التجاري والثقافي،ويمكن للزائر أيضاً التعرف على أعمال التنقيب الحديثة والنظريات المختلفة حول الغرض من هذه القطع الأثرية الفريدة.
![]() |
| اللواء عاطف مفتاح والدكتور عيسي زيدان مع المركب في متحفها الأول |
![]() |
| رئيس التحرير والمركب حالياً وهي معروضة في المتحف المصري الكبير |









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق