علاء الدين ظاهر
ما بين فوائد جمة وأضرار مقلقة يأتي الحديث عن تأثير الذكاء الإصطناعي AI علي العمل الآثري وخاصة في المتاحف،وهو ما كان محور محاضرة مهمة للغاية ألقاها عالم الآثار الدكتور فكري حسن أستاذ الآثار والتراث الحضاري عن الذكاء الإصطناعي واستخدامه في الآثار،وذلك ضمن فعاليات الإحتفالية التي أقيمت منذ أيام في متحف الحضارة بالتعاون مع اللجنة الوطنية المصرية للمجلس الدولي للمتاحف (ICOM) والمكتب الإقليمي لمنظمة اليونسكو بالقاهرة،بمناسبة يوم المتاحف العالمي.
وانطلق الدكتور فكري حسن من قمة مستقبل المتاحف لعام ۲۰۲٤ والتي نظمتها الجمعية الأمريكية للمتاحف،وشهدت جلسة مهمة بعنوان"استكشاف المبالغة والأمل والأضرار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي"،وقد أظهر استطلاع رأي الحضور عن بعض الرؤى خلالها عن بعض الفرص التي تُعطي أملًا لمستقبل أفضل للمتاحف باستخدام AI،وفي نفس الوقت أسفرت عن الأضرار التي قد تسببها تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وقال د.فكري حسن أنه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر فرصاً جديدة ومبتكرة،لتعزيز وتوسيع وتحسين وظائف المتاحف،كما يسمح الذكاء الاصطناعي للذكاء البشري بالتغلب على القيود المتعلقة بمعالجة كميات هائلة من أنواع مختلفة من البيانات في الوقت الفعلي، والتغلب على الوجود المادي للبيانات ذات الصلة المنتشرة في مواقع مختلفة وتنتمي إلى أوقات مختلفة،ومن هنا نسأل:كيف يمكن للمتاحف أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي؟
وظائف المتاحف
الذكاء الاصطناعي كما قال د.فكري حسن أداة لتعزيز وتعظيم وظائف المتاحف،من حيث توثيق وأرشفة وتنظيم المجموعات المتحفية،كذلك الحفظ والترميم والصيانة والمراقبة،هذا بجانب تنظيم الزيارات والتسويق والتطوير والاستدامة،كما يمكن استخدام إنترنت الأشياء للحصول على معلومات في الوقت الفعلي عن الطقس وظروف الطريق وساعات الزيارة والازدحام،وغيرها من المشكلات التي يمكن مراقبتها من خلال أجهزة الاستشعار.
كما يمكن استخدامه لتتبع ومراقبة الزائرين وسلوكهم وأعدادهم والتحكم الفوري والتوجيه"من خلال شريحة على التذكرة"والإنقاذ،هذا بجانب التعرف علي سلوكيات الزائرين وتفضيلاتهم عبر مجالات مختلفة،ويمكن للزوار من خلال التليفون المحمول أو الكومبيوتر الوصول إلى مجموعة متنوعة من البيانات،من أي أجهزة آخري متصلة بالأنترنيت التي تمكنهم من تصميم برنامج رحلتهم بناءً على مستواهم التعليمي، وحدود الوقت، واهتماماتهم، وأهدافهم،ويمكن أن يكون ذلك قبل الزيارة أو في المتحف.
الحوسبة السحابية
ولفت عالم الآثار د.فكري حسن إلي الحوسبة السحابية،والتي تعني تخزين البيانات والبرامج والوصول إليها على خوادم بعيدة مستضافة على الإنترنت بدلاً من القرص الصلب أو الخادم المحلي،وتُعرف الحوسبة السحابية أيضا باسم الحوسبة القائمة على الإنترنت، وهي تقنية تقدم فيها الموارد كخدمة عبر الإنترنت للمستخدم،ويمكن للحوسبة السحابية أن توفر الوعي بالموقف، فضلاً عن ضبط مسار الرحلة اعتمادًا على شعور الزائر"جسديًا، عاطفيًا، فكريًا، تحفيزيًا"،وضبط زيارته وفقًا لذلك.
وكشف عن ما يمكن تسميته بالمرشد الروبوت في المتحف،والذي يتنقل في المكان وفق مسار مُحدد مسبقًا، ويُطلع الزوار على معلومات عن المعرض، ويُجيب على الأسئلة،وهذا الروبوت مزود بأجهزة استشعار العوائق،والمتحف الذي يوجد فيه مثل هذا الروبوت وكأنه يرفع شعار"زوارنا ومعارضنا في مأمن من أي تصادم..هذا الموظف لا يمرض ولا يتعب، وهو دائما في مزاج جيد..إنه يعرف كل شيء،ويُحب الجميع".
وطبقاً لما قاله د.فكري حسن،فإن أجهزة الذكاء الاصطناعي تجعل المعارض في متناول الزوار، حيث يمكن التقاط ومشاركة المعلومات من خلال أجهزة الذكاء الاصطناعي،والتي يتم توليدها عبر أجهزة صوتية أو كاميرا هاتف ذكي أو نظارات ذكية،كما توفر هذه التقنية الصوتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إرشادات آنية ومعلومات عن المعرض،وهناك الطباعة ثلاثية الأبعاد التي يمكنها تحويل الأعمال الفنية إلى تجارب لمسية وأشكال مطبوعة قابلة للحمل واللمس،وهنا تُمكّن المؤسسات الثقافية جمهورًا أكثر تنوعًا من التفاعل مع مجموعاتها،كما يُمكن للزوار الحصول على نسخ طبق الأصل من القطع المتحفية.
مُراعاة الحواس
ويمكن أيضا إرشاد الزوار من خلال توفير معلومات حول الطرق والمرافق التي يمكن الوصول إليها عبر تطبيق يعمل بالذكاء الاصطناعي،وهناك تطبيقات مُراعية للحواس،فقد تُسبب المعارض ذات الأصوات العالية أو الصور الوامضة إزعاجًا لبعض الزوار،ويمكن للمؤسسات استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء تطبيقات تساعد هؤلاء الزوار على تخطيط زياراتهم،من خلال تحديد هذه العروض المُحفزة للحواس ورسم خرائط لها.
ومن فوائد الذكاء الإصطناعي أيضاً التواصل في الوقت الفعلي،بتحسين التواصل من خلال تحويل التعليقات التوضيحية إلى كلام في الوقت الفعلي، مما يسمح بالترجمات ويجعل المحتوى المنطوق أكثر قابلية للهضم للأشخاص العاديين وتجنب المصطلحات المتخصصة،حيث يمكن أن تكون روبوتات الدردشة والوكلاء الأذكياء الذين يقدمون خدمة عملاء على مدار الساعة بمثابة أمثلة،ويعتمد نجاحهم على قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم اللغة الطبيعية، مما يمكّن أنظمة الذكاء الاصطناعي من أداء المهام والرد على الاستفسارات،كما أنها تساعد في إدارة المعلومات من خلال تسهيل تحليل البيانات وتنظيمها.
جولة افتراضية
ويمكن إستخدام الذكاء الاصطناعي مع قناع توت عنخ آمون كدليل لتفسير صياغة الذهب أو استخراج الذهب،أو العلاقات الخارجية أو الأهمية الرمزية للذهب،أو التحنيط،ويمكن أيضًا استخدام الذكاء الاصطناعي لإشراك المشاهد أو زائر المتحف بشكل نقدي في مختلف أشكال ملامح الوجه،وهناك أيضا إمكانية الكشف عن الروابط، على سبيل المثال، روابط العائلة المالكة التي توجه الزائر إلى القطع ذات الصلة في المتحف ومن أي مكان آخر.
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أيضاً مفيدًا في التعامل مع تصور الموقع الأصلي للآثار أو الوضع الخاص بنقل الآثار أو القطع الأثرية،كما في حالة حجر رشيد وتمثال نفرتيتي والمسلات في روما وإسطنبول وباريس ولندن ونيويورك، وكذلك المسلة في المتحف المصري الكبير،وبذلك يمكن ربط المعروضات بالمواقع الأثرية،ويمكن لزائر المتحف أيضًا تجربة جولة افتراضية للمقبرة،والبحث عن موضوع ما عبر الثقافات والأجيال والحضارات،لتعميق فهم الظواهر التاريخية والمجتمعية وتحولاتها،ويعد أحد استخدامات الواقع المعزز"AR"،والواقع الافتراضي"VR"والواقع المختلط"MR"،في المتاحف بمثابة وسيلة اثراء تجربة الزائر وتعزيز التعلم العميق.
الإستخدام الأخلاقي
ورغم كل هذه الفوائد التي يمكن تحقيقها من استخدام الذكاء الإصطناعي في المتاحف،هناك تخوفات انطلاقاً من تساؤلات عميقة مطروحة حول الاستخدام الأخلاقي والمسئول للذكاء الاصطناعي في المتاحف، لا سيما بالنظر إلى مسئولية المتاحف كأوصياء على التراث الثقافي،حيث قال د.فكري حسن أنه مع القوة للذكاء الاصطناعي الرهيبة، تأتي مسئولية عظيمة،لأن الذكاء الاصطناعي يطرح العديد من التحديات الأخلاقية التي تجب دراستها بعناية.
وقال أنه من مخاطر الذكاء الام الاصطناعي الخطيرة التحيز والتمييز والتهميش،من خلال سيطرة الثقافة التي تتحكم وانتقاء البيانات ونشرها أو سريتها من خلال المجموعات أو العروض المتحفية،وإنتهاك الخصوصية الثقافية من خلال استيلاب المجموعات والمعلومات الخاصة بها بدون موافقة أو شراكة مع المجتمعات التي تنتمي اليها المجموعات، كما يمكن إستخدام الذكاء الاصطناعي للتزيف والتزوير في محالات الترميم أو العرض أو الشروحالأسباب سياسية أو عقائدية أو اقتصادية.
معلومات الزوار
وهناك أيضاً التلاعب أو المتاجرة بمعلومات الزوار من خلال المعلومات التي يحصل عليها المتحف من أجهز المراقبة والتتبع والتعرف علي توجهات أو ميول الزائر السياسية أو العقائدية أو حالته أو المالية،وإستخدام الذكاء الاصطناعي للتربح بغض النظر عن الملكية الفكرية أو الثقافية أو المصلحة العامة،والحيود عن السلوك الإنساني المجتمعي والتواصل الشخصي بين الناس وفقدان العواطف الاجتماعية الحميمية.
ومن أسس الأخلاقيات الخاصة بالذكاء الاجتماعي يعتبر التقاعس عن استخدامه للصالح العام لما فيه من فوائد اخلال بالمسئولية الأخلاقية ، وخاصة اذا تقاعس المسئولون عن المتاحف عن العمل للصالح العام الإنساني بدون تمييز عرقي أو طبقي أو قومي،واستخدام الذكاء الاصطناعي في المحافظة علي المجموعات وصيانتها،وتفعيل الذكاء الاصطناعي لنشر المعارف العامة والشراكة في انتاج المعرفة، ونشر ثقافة الذكاء الاصطناعي للجميع كمجال واعد للابتكار والتجديد والاختراع،والاستفادة من فرص أنماط جديدة من التفكير تعتمد علي القدرة علي تحليل وحل المشكلات،من خلال كم هائل من المعلومات من مصادر بصرية وتصويرية وكتابية وكلامية وموسيقية من مجالات متعددة كالفن والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والعلوم الطبيعية والدراسات الاجتماعية والإنسانية.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق