علاء الدين ظاهر
تعد ظاهرة تعامد الشمس من الظواهر الفريدة التي تبرز نبوغ المصريين القدماء وتقدمهم في علوم الفلك والعمارة والهندسة،والأدلة علي ذلك كثيرة من أشهرها حرص المصري القديم على إقامة المحور الرئيسي لمعابد الكرنك والذي يمتد من الغرب بداية من الصرح الأول حتى الصرح السادس في شرق المعابد مرورا بقدس الأقداس والبوابة الشرقية، واستغرق بناء هذا المحور أكثر من الف عام وهو ما يبرز مدى تفوق المصري القديم عبر العصور،حيث تحدث ظاهرة تعامد الشمس سنوياً في الكرنك بشكل دقيق ومذهل مع دخول فصل الشتاء
وقد بلغت دقة المصري القديم في الحسابات الفلكية درجة مذهلة،حتي أنه نجح في ضبط المواقيت والحسابات بحيث تتعامد الشمس على وجه الملك رمسيس الثانى داخل معبد أبو سنبل في أسوان مرتين كل عام،الأولي في 22 فبراير،والثانية في 22 أكتوبر،كذلك تعامد الشمس علي وجه الملك رمسيس الثاني الموجود في البهو العظيم بالمتحف المصري الكبير،والذي تم إختيار موقعه بدقة ليحدث التعامد بالفعل كما فعلها المصريون القدماء،كما لعبت الحسابات الفلكية دورا كبيراً في إعتماد المصري القديم عليها في ضبط مواعيد الفيضان وبذر البذور في الأراضي الزراعية والحصاد،وغيرها من الأحداث المهمة طوال العام.
الدكتورة آيات حسيب رئيس قسم التسجيل والتوثيق الأثري في المتحف المصري الكبير لها دراسة مهمة،والتي حصلت بها علي الدكتوراة في الاثار المصرية من كلية الآثار بجامعة القاهرة بدرجة إمتياز مع مرتبة الشرف الاولي،وكانت الدراسة بعنوان"المفهوم العقائدي والإجتماعي لأيام الحظ والنحس في النصوص المصرية خلال عصر الدولة الحديثة"دراسة لغوية مقارنة"،وقالت فيها أنه لم يكتف المصري القديم بما ناله من باهر العلوم ومدهشات الفنون التي لا تزال الأيام تكشف لنا غوامض أسرارها ومكنونات أخبارها، والمستقبل وحدة كفيل باستجلاء جميع غوامضها.
ولم يقف جده واجتهاده عند حد محدود، ولم يقتنع بما إليه في العلوم الطبيعية كالطب والفلك، فلجا إلي ما فوق الطبيعة، فانشأ العلوم السحرية ومهر فيها، وسيطر بها علي النفوس، وبل وقام السحرة بالشفاء من بعض الأمراض والعاهات، بل جدوا في تلافيها قبل وقوعها ومحاربتها قبل وجودها فالتجئوا إلي علم الفلك،وفب هذا قال ديودور الصقلي المؤرخ اليوناني: انه لا يوجد بلدة في العالم كمصر لوحظ فيها بكل دقه نظام الكواكب وحركتها، دونت فيها المؤلفات الفلكية منذ عدة قرون وحوت المعلومات الخاصة بعلاقة الكواكب بالمواليد الحيوانية، وتأثير الكواكب في الخير والشر، وربط أيام السنة بالتفاؤل والتشاؤم.
وتابعت:المصري القديم كان يتمم واجباته نحو المعبودات ويبدأ العطلة الدينية،ولكنه لا يستطيع أن يستمتع بالملذات أو يؤدي أعمالا نافعة دون أن يحتاط لأمره، بسبب ما يعرف بتقاويم أيام الحظ والنحس،فاعتقد أن بعض أيام من السنة قد تكون سعيدة والبعض الأخر مشئومة، وعليه قسموا السنة بفصولها وشهورها إلي أيام خير وأيام نحس،وقد أبقت لنا الوثائق علي برديات واوستراكات تحتوي نصوص في هذا الصدد وعرفت بـ(تقاويم أيام الحظ والنحس)،والتي تلقي الضوء علي ارتباط المعبودات المصرية القديمة بالكواكب والنجوم وحركتها بشكل كبير.
وقد ابتكر المصري القديم تقويما ينظم على أساسه شئون حياته، معتمداً على الظواهر الطبيعية المحيطة به من فيضان، وزراعة، ثم حصاد، وبالتالي كان لابد وأن يتطور علم الفلك ليربط بين ظهور نجم سوبدة قبيل شروق الشمس، وهي ظاهرة لا تتكرر سوى مرة واحدة في العام، وتتوافق مع بداية وصول مياه الفيضان، وهكذا كان شروق نجم سوبدة بشيراً بقدوم الفيضان،فجعله المصريون بداية للسنة والتي قسمت إلى ثلاثة فصول كلاً منها يضم أربعة أشهر، وهي الفترة التي يستغرقها كل فصل قبل بداية الفصل التالي،ثم أضافوا في نهاية السنة خمسة أيام,ليكتمل عدد أيام السنة المصرية إلى ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً إلى أن تتكرر ظاهرة شروق نجم سوبدة مرة أخرى وبالتالي تبدأ سنة جديدة.
وورد في هذه التقاويم 46 إشارة لكمة (pr) ويليها أسماء المعبودات والكائنات الأسطورية، والتي تترجم بمعني (الخروج) وتأتي محددة بأيام معينة في كل شهر من شهور السنة،وهذه المواعيد هي نفسها ترتبط باحداثاً فلكية في السماء،وكان الشخص الذي يستعين بهذه التقاويم، بالطبع كان يتصرف وفقا لها، لأنه يعرف أن الكهنة أو السحرة الذي وضعوا هذه التقاويم كان عندهم أسبابا جيده لتصنيفهم للأيام . ووضعت تلك الأيام بعدد أيام السنة (كنتيجة) مقسمة طبقاً لفصول السنة وشهورها في قائمة، وكان طالع أو فأل كل يوم مبني علي أحداثاً ميثولوجياً خاصة، وكانت تتأثر هذه الأيام بظروف خيره أو سيئة قد تعرضوا لها، وربطوها بأحداث مماثلة حدثت في عالم المعبودات وذلك من خلال الأساطير التي تناولت الأحداث السعيدة أو الكريهة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق